الشيطان عدّو الخير، لا شيء صالح يأتي منه البتة، وبنفس الوقت نُدرك سلطانه المحدود على الخليقة إذ أن الربّ له المجد، بعظمة محبته وصلاحه وعنايته بخليقته يحفظ شعبه وبالأخص الذين يلتجئون إليه ويتسلحون بالفضائل الإلهية أي الصوم والصلاة وعيش الأسرار الكنسية ويُسلحون ذواتهم بإشارة الصليب المقدس ويُباركون بيوتهم بالأيقونات المقدسة.

الأحد الخامس من الإنجيلي متى | الإصحاح 8: 28- 34

July 18th, 2019 | المتروبوليت باسيليوس | Available in English Metropolitan Basilios

الأحد الخامس من الإنجيلي متى يروي حادثة إخراج الشياطين من إنسانين في ” كورة الجرجسيين”. القراءة الإنجيلية من متى الإصحاح الثامن الأيات 28- 34.

يبدأ المقطع الإنجيلي أن يسوع أتى إلى منطقة تُسمى ” كورة الجرجسيين “، وهي تقع جنوبي شرقي بحيرة طبرية في الجليل، كان سكانها يربّون الخنازير والتي تُعتبر حسب الشريعة الناموسية بأنها ” حيوانات نجسة “.

يقول المقطع الإنجيلي أنه عند وصول يسوع استقبله ” مجنونان خارجان من القبور” ثم يوضح أنه ” لم يكن أحد يقدِر أن يجتاز من تلك الطريق”.

لا بد من التوقف عند عدد من الأمور،أولاً: النص اليوناني الأصلي يوضح أن الشخصان كانا ممسوسان [Demon- Possessed] وليس مجنونان أي أنهما كانا مسكونان بالأرواح الشريرة. لقد كان الشيطان متسلطاً عليهما وعلى حياتهما، لذلك كان من الصعب عليهما أن يسكنا بين البشر وأن يكون لديهما حياة اجتماعية طبيعية، فتوجها وسكنا في القبور التي كانت تُعتبر أماكن نجسة وتسكن بقربها الأرواح الشريرة.

هذان الممسوسان عندما قابلا يسوع توجها نحوه بالإعلان ” ما لنا ولك يا يسوع ابن الله، أجئت إلى ههنا قبل الزمان لتُعذبنا”. لقد اعترف الشيطان أن المسيح هو “ابن الله “. يقول القديس الذهبي الفم: ” كونه كان هناك بعض الناس الذين اعتقدوا أن المسيح هو مجرد إنسان، أتت الشياطين لتُعلن إلوهيته، أنه هو يسوع ابن الله “. كما أدرك الشيطان أن نهايته هي في العذاب الأبدي كما يذكر سفر الرؤيا: ” سيُطرح الشيطان وملائكته في بحيرة النار ” (متى 25: 41)، و”إبليس طُرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيُعذَّبون نهاراً وليلاً إلى أبد الآبدين” (رؤ20:10 ، 14: 10). لم يتوقع الشيطان أن محبة الله ورحمته أن يُرسِل ابنه الوحيد، أن يتجسّد ويأتي إلى الأرض لخلاصنا لذلك قال له: ” جئت ههنا قبل الزمان ( أي قبل المجيء الثاني والدينونة) لتُعذبنا”. الزمان الذي يتكلم عنه الممسوسان هو ” آخر الأزمنة “، المجيء الثاني والدينونة، نهاية سلطان العدو على البشرية. إن تجسّد المسيح ابن الله ودعوته قائلاً:” توبوا قد اقترب ملكوت السموات ” كانت بمثابة إعلان بداية نهاية ملكوت الشيطان وبداية العدّ التنازلي لزوال سلطانه.

لقد طلبت الشياطين من المسيح قائلة ” إئذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير”.إن هذا الطلب من الشيطان نحو الربّ يسوع يثبت حقيقتين، أولاً: حقيقة وجود الشيطان. إن الشيطان كائن حقيقي موجود وليس مجرَّد اختراعاً  تقوياً أو تشخيصاً رمزياً للشر بل هو كائن حقيقي. الشيطان هو ملاك ساقط كان يُسمى بكوكب الصبح (أشعيا 14: 12) الذي سقط من رتبته بسبب كبريائه وعصيانه لطاعة الله وتحوّل من ملاك النور إلى ملاك الشرّ والظلمة.

إن أكبر خدعة يخدعنا بها الشيطان هي أن يوهمنا بعدم وجوده حتى نُبرّر خطايانا و أهوائنا على أنها ميل طبيعي للنفس ورغبة ممدوحة. أما الحقيقة الثانية فهي سلطان الربّ يسوع على الشياطين والأرواح الشريرة، لقد كانت بحاجة إلى ” إذن ” أي موافقة من الله أن تخرج منهما وتدخل في قطيع الخنازير فكان جواب الربّ يسوع في كلمة واحدة ” اذهبوا”.

الحقيقة الأخرى التي نراها في هذا المقطع الإنجيلي أنه “لا يوجد أي خير يأتي من الشيطان. عندما دخل الشيطان في قطيع الخنازير، فإذا بالقطيع كله قد وثب عن الجرف إلى البحر ومات في المياه “. لقد سمح الله للشياطين أن تدخل في الخنازير وأن تموت لكي يُظهر للناس شرّ الشيطان حتى على الكائنات غير العاقلة، حتى يُريهم كم أن سلطة الشياطين شريرة وقوية وأنه لولا رحمة الله ومحبته للبشر الذي يُقيّد شرّ الشياطين ويمنعه من إلحاق الضرر بالإنسان. لكان قد أهلك الإنسان يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: ” إن الربّ سمح للشياطين أن تدخل في الخنازير ليُظهر للناس كم تُسبّب لهم شروراً أرهب مما حدث للخنازير إن لم يصونوا نفوسهم بعناية الله. فإذا كانت الشياطين قد فعلت ذلك بالحيوانات غير الناطقة، فكم بالحري يفعلون بالناس الذين دخلوا تحت سلطتهم”.

يقول القديس بطرس الدمشقي “أن الشيطان لا يستطيع محاربة الله مباشرة فيُحارب الإنسان الذي هو على ” صورة الله ” وهي تفعل ذلك معتقدة أنها بهذه الطريقة تنتقم من الربّ. إن الشياطين لم ترحم الخنازير الحيوانات الغير عاقلة فكم بالأحرى سيفعلون بالإنسان الذي هو ” على صورة الله ومثاله ” من المؤكد أنها تسعى لهلاك الإنسان وخسارته للحياة الأبدية.

لقد اعترفت الشياطين بالمسيح أنه ” ابن الله” أما سكان كورة الجرجسيين طلبوا منه أن يتحول عن تخومهم. ربما رأوا في حضوره بينهم خسارة لرزقهم و عملهم بعد خسارة قطيع الخنازير الذي وثب إلى مياه البحيرة وغرق ومات. لقد كانوا خائفين من تكرار هذه الخسارة ومن بين الإختيار ما بين ابن الله والعيش مع الخنازير النجسة اختاروا الخنازير وطَلبوا من المسيح المخلّص أن يَخرج من تخومهم أي أن يخرج من حياتهم.

لقد أظهر الربّ يسوع عظيم رحمته على هذان الممسوسان عندما سمح للشياطين التي كانت تُعذبهما أن تخرج منهما وتدخل في الخنازير، الحيوانات الغيرعاقلة، إن للإنسان قيمة ومكانة أهم بكثير من قيمة الحيوانات “كون الإنسان هو على صورة الله و تاج كل المخلوقات “.

إن المقطع الإنجيلي اليوم يُرينا قوة الشياطين الكبيرة والمدمّرة. الشيطان عدّو الخير، لا شيء صالح يأتي منه البتة، وبنفس الوقت نُدرك سلطانه المحدود على الخليقة إذ أن الربّ له المجد، بعظمة محبته وصلاحه وعنايته بخليقته يحفظ شعبه وبالأخص الذين يلتجئون إليه ويتسلحون بالفضائل الإلهية أي الصوم والصلاة وعيش الأسرار الكنسية ويُسلحون ذواتهم بإشارة الصليب المقدس ويُباركون بيوتهم بالأيقونات المقدسة.

يعرف الشيطان تمام المعرفة أن مُلكه إلى زوال وأنها مجرد مسألة وقت فهو كما يقول بطرس الرسول ” إن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه” (1 بطرس 5: 8).

آميــــــن

+ المتروبوليت باسيليوس