مثل الغني ولعازر – الأحد الخامس من لوقا

//مثل الغني ولعازر – الأحد الخامس من لوقا

الأحد الخامس من لوقا

مثل الغني ولعازر

في الأحد الخامس من لوقا القراءة الإنجيلية عن مثل الغني ولعازر من لوقا الإصحاح  16: 19- 31 .

الإصحاح السادس عشر من لوقا بأكمله يتكلم عن المال والغِنَى وعن كيفية التعاطي معهما. يبدأ الإصحاح بمَثَل ( وكيل الظُلم )، ثم تحدث الربّ يسوع عن المال قائلاً: ” لا يَقدر خادم أن يخدم سَيديَن، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال “(لوقا 16:13). لقد استهزء الفريسيون بكلام الربّ يسوع هذا كما يقول الإنجيل ” وكان الفريسيون أيضاً يسمعون هذا كلَّه وهم مُحبون للمال فاستهزأوا به” (لوقا 16:15). عندها أعطاهم الربّ يسوع مَثلاً آخر هو بمثابة تعليم روحي عن كيفية التعامل مع المال والغِنَى وما هي وجهة نظر المسيح وعلى أي أساس سوف يُحاسب الأغنياء والفقراء معاً.

في هذه المثل يُعطي الربّ يسوع وصفاً لشخصين في حالتين اجتماعتين متناقضتين تماماً.

الأولى إنسان غني، كان يلبس أفخر الثياب ويتنعّم كل يوم بمختلف أنواع المآدب والممتلكات. ولكن المُلفت أننا لا نعرف اسم هذا الإنسان الغني، هو مجهول ونَكِرَة (Anonymous)،  من يَعرِف أهمية الإسم في الكتاب المقدس يُدرِك أنَّ صَمت الربّ  يسوع عن  تسمية هذا الإنسان و كأنه أراد أن يقول أن هذا الإنسان رغم غِناه الفاحش إلا أنه  كان عادم الشخصية،  ” لأن الرفيع عند الناس رجِسٌ في نَظَر الله ” (لوقا 16:15).الإسم في الكتاب المقدس ليس مجرّد وسيلة لتمييز الأشخاص من بعضهم البعض ولكنه يُعرِّف الشخص ويكشف كُنه وصفات حامله.

من الجهة الأخرى، كان إنسان مسكين اسمه لعازر، هذا غير لعازر الذي أقامه الربّ يسوع من الموت، لعازر اسم مشتق من اللغة العبرية ويعني ” الله معيني “، وهو اسم يُناسب هذا الإنسان الفقير الذي وضع كل رجائه واتكاله على الله.

يُريد الربّ يسوع أن يقول أن هذا الإنسان الفقير لم يكن يملك شيئاً ولكنه كان معروفاً من الله ومن الناس ، هذا الإنسان الفقير كان يشتهي أن يَشبَع من الفتات الذي يسقط من مائدة الغني.

يبدو في هذا المثَل أن مشكلة الإنسان الغني ليست في غناه أو ماله بل في طريقة استعمال هذا المال. لقد جعله غِناه يَستغني  عن الله ويَحجب نفسه عن قريبه. لم يُحاسبه الله عن أي خطأ اقترفه بل يُحاسبه على خيرٍ كان بمقدوره أن يَفعله مع لعازر الفقير ولم يَصنعه. كان يلتقي يومياً بلعازر ولكن كان يتجاهله، لقد أَعمَت ملذاته بصيرته وقَتلت ضميره.

لقد كان لعازار ” مشلوحاً عند بابه ” أي كان الغني يلتقي به كل يوم عند دخوله وخروجه ولكن لم يتحرك قلبه وإنسانيته ليُساعد أو يُحسِن لهذا الإنسان المريض والجائع. وليُظهر الربّ يسوع كيف أن هذا الإنسان الغني كان مُجرداً كلياً من عواطفه الإنسانية، قال أن الكلاب كانت تشعر بألم لعازر ووجعه ” فكانت تأتي وتلحس قروحه ” علّها تُخفّف شيئاً من آلآمه ووجعه. لقد أظهرت الكلاب رحمة وشفقة على الفقير أكثر مما أظهر هذا الإنسان نحو أخيه الإنسان.

من بعد حياة الملذات للإنسان الغني وحياة البؤس والشقاء للفقير لعازر أتى الموت ووضع حدّاً لِغنَى الأول ولِبؤس الثاني. لعازر مات فحملته الملائكة إلى حضن ابراهيم أي إلى مكان الراحة، الى الفردوس، أما الغني فدُفن، أي كان موضعه التراب.

هذا الواقع والوضع الذي كان موجوداً على الأرض قد تبدّل وانعكس في الحياة الأخرى. من كان يتنعّم أصبح يتعذّب ومن كان يتعذّب أصبح يتعزّى ويتنعّم في ملكوت السموات.

نقرأ في إنجيل ( لوقا 1: 53) أنه ” أشبع الجياع من الخيرات والأغنياء صرفهم فارغين ” وفي صلاة الغروب في خدمة تبريك الخمس خبزات نُرتّل: ” الأغنياء افتقروا وجاعوا أما الذين يبتغون الربّ فلا يُعوزهم أي شيء”. في هذه التراتيل انعكاس لما حدث مع الغني والفقير لعازر.

في القسم الثاني من المثّل كلام عن الوضع ما بعد الموت، لقد كان الفقير لعازر في حضن ابراهيم بينما كان الغني في الجحيم. لقد عرفا بعضهما البعض وهذا دليل على أن الشخص (Personhood) لا يتلاشى ولا يزول بعد الموت.

لقد كان لعازر مطروحاً عند باب الغني ولكنه لم يَلحظُه، لم يعرف بوجوده أما الآن بالرغم أن بينهما هوّة عظيمة ولكنه رأى لعازر الفقير وعَرَفَه وها هو الآن يطلب مساعدته. يطلب منه ” قطرة ماء ” ولكن في الأمر استحالة إذ لا يستَطيع الإنسان أن يُغيّر وضعه (حالته) من بعد الموت، لقد كانت الحياة على الأرض زمن للتوبة والأعمال الصالحة أما بعد الموت فكل شيء انتهى ولا مجال الآن لتغيير الحالة.

لقد كان للغني طلب آخر، كان قلقاً على وضع أخوته الخمسة الذين يبدو أنهم كانوا يسلكون في حياتهم بنفس الأسلوب الذي كان يحياه هذا الغني، لقد طلب الغني من ابراهيم أن يُرسل لعازر من أجل أن يُحذّر إخوته ويُرشدهم إلى الطريق ولكن جواب ابراهيم كان قاطعاً ” عندهم موسى والأنبياء فليَسمعوا منهم “.

لقد كانت للغني حجة قوية أنه ” إذا مضى إليهم واحدٌ من الأموات يتوبون ” ولكن هذا لا يتطابق مع الحقيقة، لقد رأى الفريسيون الربّ يسوع يُجري معجزات قيامة أموات وآخرها كانت قيامة لعازر الرباعي الأيام وهو نفسه قد قام من بين الأموات ومع ذلك لم يُصدّقوه، فكيف سيُصدّقون الآن إذا مضى إليهم واحدٌ من الأموات.

جواب ابراهيم كان ” عندهم موسى والأنبياء فليَسمعوا منهم ” أي لديهم تعليم الأسفار المقدسّة عن كيفية الخلاص وعيش الصلاح والفضائل. فليقرأوا الكتب المقدسة وليتعلموا كيفية الإتكال على الله وكيفية محبة القريب.

ليس المصير الحتمي لكل غني هو الجحيم ولا لكل فقير هو الفردوس. إذاً مقياس الخلاص ليس الفقر أو الغِنَى بل هو مقدار اهتمامنا بأخوتنا المحتاجين. كثير من الأغنياء يستخدمون غِنَاهم لمساعدة الآخرين ودعم الكنائس والمؤسسات الخيرية والناس المحتاجين وفقراء كثيرون يَتَمَلملون على الله وربما يجدِّفون عليه.

هذا المَثَل درسٌ لنا جميعاً بأن ننظر إلى الفقير المطروح على باب بيتنا لنشعر به ونساعده ولنفكر بأن كل ما نُخزِّنه في أهرائنا يجب أن نشاركه مع الفقير المحتاج وإن فعلنا هذا سنكون قد فعلناه للربّ يسوع نفسه الذي قال:

” كل ما فعلتمون بأحد إخوتي هؤلاء الصِغار فبي فعلتموه “ (إنجيل متى 25: 40).

أميـــــــن

المتروبوليت باسيليوس قدسيّة

2018-11-02T17:15:11+00:00

Latest

Contact Info

11 Henry Street, Punchbowl 2196 NSW

Phone: +61 2 9543 6939

Fax: +61 2 9543 9354

Web: Antiochian Orthodox Archdiocese

أحدث المقالات