أحد حاملات الطيب
( مرقس 15 : 43 )
للمتروبوليت بولس صليبا
الأحد الثاني بعد أحد القيامة يدعى " أحد حاملات الطيب " والتسمية تعود لتلك النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر ليطيّبن جسد المسيح الذي لم يمكن غسله بالطيب قبل الدفن حسب عادة الوقت ، واللواتي ظهر لهن أولا بعد قيامته . الحادثة قد أوردها انجيل مرقس في الاصحاح 15 ، والكنيسة تعطيها مركز الصدارة خلال هذا الأحد .
باكرا جدا ذهبت النسوة مريم المجدلية ، مريم أم يعقوب ، وصالومي إلى القبر . هل تتصور أيها القارئ العزيز كم سيكون نهارك سعيدا وسلاميا إذا ما ابتدأته بالصلاة إلى المسيح وكم سيكون أسبوعك مريحا اذا ما ذهبت للاجتماع نهار الأحد صباحا بالمسيح وعائلته ؟ قبل شروق الشمس ذهبت النسوة إلى القبر حيث جسد معلمهم وسيدهم مسجى . المسيح هو الشمس الحقيقية ، الذي ينير نهارنا من برهة فتح أعيننا . نهارنا يصبح جديدا ، وفرحا عندما نبدأه بالاجتماع بالمسيح ـ الصلاة .
لم تكن النسوة تعلمن كيف سيصلن إلى جسد سيدهم الموضوع في القبر . من سيدحرج ذاك الحجر الكبير عن بابه ؟ يقول الانجيلي " لأن الحجر كان كبيرا جداّ ، الكثير من قرّاء الانجيل سيشعرون بأن سؤالات النسوة توجه إليهم شخصيا . المسيح يظهر وكأنه مدفون عميقا في نفوس كثيرة . يظهر عديم الحركة مكرسحا حتى وكأنه ميت . لكن التغيير مستطاع ، بالرغم من عظم الحجر ، حجر الخطيئة ، وجهل السنين . يمكن أن يود البعض أن يدحرجوا الحجر ويلمسوا المسيح ، لكن قواهم ضعيفة . من سيدحرج لنا الحجر ؟ يظهر أن ما ترغب النسوة عمله غير مستطاع بشريا ، بدون أمل أو امكانية نجاح ، من الناحية البشرية . ومع ذلك قمنا باكرا وذهبنا دون أن يعرفن كيف سيصلوا إلى جسد سيدهم . نفس الطريقة وبدون أن نعرف كيف سنزيل العراقيل من دربنا والتي يمكن أن تمنعنا من الوصول إلى المخلص ، علينا أن نصمم ونؤمن ونتكل ونثق به . علينا أن نقوم بالخطوة الأولى ، علينا أن نقوم ونبدأ بالسير . ونمشي نحو يسوع الذي فصلته عنا الحجارة الكبيرة ولندع لإيماننا وأملنا أن يقودانا .
لم تذهب النسوة فارغات الأيدي إلى القبر . أخذت معهن طيبا زكيا ليدهن جسده . نحن أيضا نستطيع أن نأخذ معنا شيئا إلى القبر حتى ولو اننا نرزح تحت ثقل الخطايا الكبيرة ، يمكننا أن نحمل معنا إرادة حسنة ، قليلا من المحبة ، نوعا من الكرم نحو الآخرين ، وصلواتنا . لا شك بأن هدايانا سوف لن تدحرج لنا الحجر . لأن وصولنا إلى الناهض من القبر ، وإلى قوة قيامته هم هدية بدون ثمن من المسيح . ان توجهنا نحو القبر بأيد فارغة تعني ان قلوبنا أيضا فارغة . أين هي الطيوب التي سنطيب بها جسد المسيح ؟
يا للعجب ! لقد حدثت أعجوبة . نظرن الحجر قد دحرج . لم يكن بامكانهن ان يزيحوا ذاك الحجر الكبير . لكن الله نفسه قد دحرجه . لم يذكر الانجيلي كيف دحرج الحجر عن باب القبر . لكن انجيلي آخر يقول " بأن ملاك الله قد دحرج الحجر ..." ان معنى هذا القول لغني جدا . لقد حدثت نوعا من الهزة الأرضية المحلية . نفس الشيء ينبغي أن يحدث إذا اردنا ان ندحرج حجر الخطايا التي تفصلنا عن المسيح عن باب أنفسنا ويحتاج ذلك أيضا إلى هزة أرضية . لا يعني بأنه ينبغي أن نعيد تموضع الأمور وتغييرها وترك الأساس أي الخطيئة كما هي . ينبغي أن يكون التغيير جذريا وكليا ، وأن يصل إلى كل زاوية من زوايا كينونتنا . الرجوع إلى الله هو هزة أرضية .
وكان ملاك لابسا ثيابا بيضاء جالسا داخل القبر . قال للنسوة " أعرف بأنكن تطلبن يسوع ... ليس هو ههنا لقد قام ، كما قال لكم . تعالوا وانظروا الموضع الذي وضع فيه". لم يقم السيد وحسب ، ولم يكتفي بأنه خرج من القبر ، لكن كل مجهود تحديده ، وسجنه وتموضعه منذ تلك اللحظة ستبوء بالفشل . الروحانية البشرية في أوقات معينة تتصور بأنه باستطاعتها ان تحدده بوقت وبظروف معينة . المسيح أصبح لكل وقت ولكل حالة . يهدم الحواجز التي يعمل بعض المسيحيين بناءها حول شخصه او حول حيث مسجى جسده . سيقول لنا أنه ههنا ، او هناك ، او انه في موضع يختلف عن ما يتصوره المؤمن الذي يعبده في هذا الموضع أو ذاك . سنكتشفه في كل مكان: " لماذا تطلبن الحي مع الموتى ؟" وقال الملاك أيضا للنسوة " اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس انه يسبقكم إلى الجليل ، هناك ترونه ، كما قال لكم ". ما هي أهمية اجتماعه معهم في الجليل ؟ هل كان بوده أن يحميهم من أعين اليهود وعداواتهم ؟ هل كان بوده بعدما مروا بمراحل صعبة ومخيفة أن يعطيهم فرصة للراحة في جو هادئ بعكس جو اورشليم ؟ يمكن ان يكون كذلك ، لكنه ينبغي أن نعطي لكلامه معنى اعمق من ما ذكرته . لقد اجتمع أكثر الرسل مع معلمهم ، للمرة الأولى في الجليل . هناك سمعوا تعليمه للمرة الأولى ، تبعوه وأعطوه قلبهم .والآن وقد اختبر ايمانهم بطريقة مخيفة قررأن يعيدهم إلى حيث وجدوا أولا المسايا ، وليعيشوا جو الجليل ويجدوا يسوع مرة ثانية وليعيدوا فرح وسلام الاجتماع الأول ، وليجددوا ايمانهم وطاعتهم . هذا ينطبق علينا أيضا . هناك جليل في حياة كل منا. جليل برهات يمكن ان تكون قد انقضت ، حيث اجتمعنا للمرة الأولى بالمسيح شخصيا ، واستمعنا لتعاليمه وجربنا ان نتبعه . لكن منذ ذاك الوقت انفصلنا عنه بخطايانا، نسياننا ، واهمالنا للسيد . وفي ساعة الصعوبات يمكن ان يصرخ واحدنا ، كما صرخ الرسل الذين ابتعدوا عن معلمهم . يفتش المسيح القائم من القبر عنا ليجتمع معنا في الجليل . يطلب منا ان نتذكر اجتماعنا الأول به وأن نعود ونشعر بنفس الشعور مرة ثانية ودائمة . لا يقول واحدنا " انه صعب". لقد فتح لنا الطريق ، " انه ذاهب أمامكم إلى الجليل ".يسير السيد دائما بحال غير منظورة إلى جليل نفسنا ، فإذا ما تبعناه ، رويدا رويدا يصبح طريقنا سهلا وتصبح رؤيته سهلة ـ روحيا و بمحبته . سيصبح حضوره حقيقيا في حياتنا . " هناك ترونه ".
آميــــــــــــــــــــــــــن .