|
أحد الشعانين للمتروبوليت بولس صليبا " مبارك الآتي باسم الرب " ( يوحنا 12 : 1 ـ 18 )
هذه الصرخة التي سمعناها في انجيل اليوم ستملأ أجواء العيد . هناك عبارة أخرى من أجمل ما كتبه الرسول بولس تقول : " افرحوا يا اخوة وأيضا أقول افرحوا ... واله السلام يكون معكم " هذا هو الملك الآتي ملك السلام والمحبة . ان يسوع بدخوله الظافر وبأسلوبه ، يريد أن يعلن عن طبيعة ملكوته . انه ملكوت البر والسلام الحقيقي . هذا ما تشدد عليه الرسالة قائلة : ما هو من طهارة ، من عفاف ، من عدل ، من كل صفة محبة ، من حسن صيت ، ان تكن فضيلة ، وان يكن مدح ففي هذا افتكروا ... وإله السلام يكون معكم ".
هذه هي اسلحة السلام الذي تسعى الكنيسة إلى تحقيقه ، الرب يسوع نفسه يؤسس هذه المملكة الجديدة . وهذا ما يعنيه زياح الشعانين . انه مسيرة المسيحيين السلامية ، يرفعون فيها شعاراتهم ، وأهدافهم ، وأسلحتهم ، ألا وهي سعف النخيل ، والتي يفسرها التقليد كله على انها رموز الفضائل . هكذا فتح الرب يسوع أورشليم ، وبذلك افتتح الملكوت السلامي تاركا لنا نحن أتباعه ، اكماله وتحقيقه على وجه الأرض كلها . الكنيسة وحدها بالبر الذي تعلّمه ، وتحياه وتبشّر به ، هي مركز السلام على الأرض بين الشعوب ، لا بل علامته وقوته . ملكوت هذا الملك هي الكنيسة ، التي تبني البر وتهدم أركان الشرالتي تربط الناس بالمحبة لاغية الفوارق والتسلط . الكنيسة تلغي الفروقات، وكل تمييز وعنصرية فتصالح البشر وتشجعهم للمباراة بالبر وليس بحسب موازين ومفاهيم العالم .
وينقلنا الفصل الانجيلي إلى عالم كان سائدا آنذاك ولا يزال وسيبقى إلى الأبد . على مقربة من أورشليم تقع بيت عنيا . أقام الأصدقاء للسيد المسيح عشاء دعي إليه العازار . فجأة ظهرت امرأة تدعى مريم ( يظهر بأنه سبق أن شفاها المخلص من مرض ما ) ارتمت عند قدميه وسكبت عليهما طيبا نادرين خالص جزيل الثمن وغسلتهما ثم مسحتهما بشعر رأسها .
بينما كانت مريم تقوم بعملها المميز كان من الجهة الثانية شخص تتآكله الغيرة وحب المال ـ يهوذا ، الذي كان مؤتمنا على صندوق التبرعات . والاستقبال الثاني قد تم في اليوم التالي على ابواب اورشليم حيث كان جمهور من الشعب منتظرا لاستقباله بسعف النخل هاتفين " هوشعنا ، مبارك الآتي باسم الرب ملك اسرائيل". يتضح لنا ان ثلاثة نماذج من الشعب كانوا في لقاءاته : النموذج الأول : مريم . التي قدمت ليسوع أثمن ما عندها . كان الشعر آنذاك بالنسبة للمرأة هو أهم شيء في حياتها . استعملته لمسح رجلي يسوع . يا لعظم المحبة ! محبتها ليسوع جعلتها تعتبر اكرام المعلم مجدا لها، و صرف مالها وغسل قدميه غناها ، وفي حسن استقباله حياتها . النموذج الثاني : يهوذا . بينما كان الآخرون يظهرون فرحهم باستقبال يسوع ، كان يهوذا يفكر بكيفية استغلال ما في الصندوق من اموال. كان تمجيد يسوع خسارة له . كان يعتبر تمجيد معلمه منافسة لحبه . وحبه لذاته لم يسمح له برؤية الرب محبوبا . أنانيته لا تقبل اكراما على حساب مصلحته ، لأن مصلحته فوق المحبة . بكلام آخر ، كان تلميذا يحب من اجل الصندوق الذي يحمله ، يحب الآخر ليعود به إلى حب ذاته . الآخر وحتى يسوع نفسه ، ما هم إلا فرصة للاستفادة . أحب ذاته فغدت حياة يسوع موتا وموت يسوع حياته . النموذج الثالث : الشعب الذي يجلس المسيح على عرش الملوكية ليعود ويصلبه بعد أيام قليلة... اليوم يصرخ هوشعنا ، خلصنا ،وبعدها سيصرخ اصلبه ارفعه. هنا يستقبله بسعف النخل وبعدها سيضربه بالقصبة ، هنا يبسط ثيابه أمام حماره وهناك سيقتسمها ، هنا يترك الكتبة والفريسيين ويتبع يسوع ، وبعدها سيتبع الكتبة ويترك يسوع ، هنا يخرج لاستقباله وادخاله إلى أورشليم كملك وهناك يخرجه من اورشليم ليرفعه على صليب . هذا هو تصرف الشعب المتارجح . ونحن بأي نموذج من النماذج الثلاثة نحسب أنفسنا ؟ أكثرنا يعتبر من تباع الصف الأخير ، نتأرجح بين أيمان ونكران ، محبة وكراهية أو لا مبالاه . مرة نعرّف ذواتنا رسلا وأخرى نتصرف كأعداء ، حينا نود أن نموت من اجله وحينا ننكر نعمة موته من أجل البشرية . اليوم نعيّد لأحد الشعانين ، يوم دخوله كملك إلى أورشليم ، الثياب الجديدة والشمع والنخيل والزهور والطعام كلها تعابير ، لكن ما هو العيد ؟ أحد الشعانين هو مدخلنا إلى أسبوع الآلام . انه اليوم الذي نقبل فيه سيدنا كمصلوب وندخله إلى حياتنا لنشاركه آلامه . انه اليوم الذي نسير فيه مع الملك الآتي على درب القيامة التي خطها هو لنمشي فيها معه ، أعني درب الصليب . يعني اليوم ونعلن بأننا نقبله بأنه ملكنا الذي وعدنا بالشهادة . نقبل السيد الذي يمر بالموت أولا ثم يهبنا القيامة . انه دعوة نخرج على أثرها من مصاف الناس المتأرجحين إلى مصف مريم وأمثالها . عيد الشعانين هو دعوة نتحول بعد قبولها من تلاميذ يحبون أنفسهم إلى تلاميذ يحبون سيدهم . مجيء المسيح في عيد الشعانين لا يسمح لنا أن نبقى محيّرين . جاء السيد ليلغي النموذج الثاني والثالث وليقيم النموذج الاول ، لذلك ترنم الكنيسة : " إننا نحمل صليبك ( ورمزه الشعانين ) ونرفعه ونقول : مبارك الآتي باسم الرب " . آميــــــــــــــــــــــــن .
|