الأحد الرابع من الصوم
السجود للصليب ( تابع )
( مرقس 8 : 34 ، 9 : 1 )
للمتروبوليت بولس صليبا
وجها الصليب ووجه الله في الصيام ،
خلال هذه المرحلة من الصوم الكبير ترفع الكنيسة الصليب المكرّم للسجود . الصليب هو سر أكثر منه أيقونة للصليب ، وسر الصليب هذا هو سرّ الانتقال من المعاناة إلى وجه الخالق .
المسيح الدجّال ، عدو الله والانسان لم يأت بعد ولكنه كان في العالم ، كما يقول يوحنا الحبيب في ( 2 : 8 ) " هناك مسحاء دجالون كثيرون " .أما بولس الرسول فيقول : " سر الاثم الآن يعمل " ( 2 تسالونيكية 7 : 2 ) فكما ان سر الضلال كائن في العالم قبل المسيح الدجال ، هكذا كان الصليب منذ الأزل قبل الصليب . لهذا السبب قال السيد لتلاميذه قبل صلبه " من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه وينكر بنفسه ويتبعني " . الصليب كسر كان ويستمر ، وصليب المسيح هو كمال عمله ومنعطف البداية الجديدة فيه .
يقول الذهبي الفم :" للصليب وجهان " بناء على عبارة الرسول بولس " اذ لا يقول فقط " الذي به صلب العالم لي " ، بل يضيف " وبه أنا صلبت للعالم " .
فالعالم يصلب لنا ، يعني أننا نترك ما في العالم من شهوات وننصرف إلى الجهادات في طلب رضى الله وحفظ وصاياه مفتقرين بالروح إليه . هذه المرحلة تعرف بالمرحلة الروحية الأولى أي حينما نموت نحن عن العالم ، حين نبتعد عن أهوائنا ونوجهها إلى الطريق الصحيح . هنا يقتني الانسان الفكرة الصحيحة عن الجمال والغنى والفقر واللذة .. ألا وهي العفة ، ويموت بتطهره عن أهوائه الخاطئة ، عن العالميات . هذه المرحلة تؤهل الانسان لرؤية الله لأن أنقياء القلوب هم الذين يعاينون الله . تسمى هذه المرحلة " بالثاوريا " .
الوجه الأول للصليب دائما هو وجه الأتعاب واماتة الأنانية والذات في سبيل طلب وجه الله ، انها مرحلة الموت وهي ما تسمى مرحلة العمل .
أما الوجه الثاني فهو حالة معاينة الله ، بعد أن نكون قد صلبنا نحن للعالم ومتنا عنه . وهذا ما يعبّر عنه الرسول بولس بوجهي الموت والقيامة مع المسيح على الصليب .
فالوجه الأول للصليب أي الموت ، يجلب فورا الوجه الثاني ـ القيامة . هذا هو سر الصليب ، انه ينقلنا من وجهه الأول إلى معاينة وجهه الثاني .
لهذا السبب يشدد بعض آباء الكنيسة على انه لا يستطيع أحد معاينة الله دون الصليب ، كما أن كل من حمل الصليب في سر المعاناة من أجل وجه يسوع المسيح قد رآه .
قبل المسيح ، حمل ابراهيم أبو المؤمنين أتعاب الصليب حين أطاع الله وترك أهله وعشيرته منطلقا إلى الأرض التي سيريه اياها الله ( تكوين 1 : 12 ) وعاش سر الصليب في وجهه الأول ، لهذا رأى ابراهيم الثالوث واستقبل الملائكة الثلاثة ( تكوين 1 : 18 ) .
موسى شارك في الصليب وكذلك يعقوب . هكذا كل من نظر إلى الصليب من وجهه الأول لا بد ان يعاين وجهه الثاني . أي كل من مات مع المسيح سيقوم معه أيضا . هذا تماما ما يعنيه الرب بقوله " كل من بذل ( أمات) نفسه من أجلي ومن أجل الانجيل وجدها ( أقامها ) . لذلك يدخل المسيحي الصوم بجرأة ، ولا يحزن على ذاته ويطلب الموت من أجل يسوعه كل لحظة فيحقق سرّ قيامته .
الرب يسوع هو القيامة والحياة ، والصليب هو الطريق . سر الصليب هو اتباع يسوع والسعي إلى وجهه الكريم . هذا ما نسجد له أمام الصليب .
" فيا قوة الصليب الكريم المحي الالهية التي لا تدرك ، لا تخذلينا نحن الخطأة ".
آميـــــــــــــــــــن .