الأحد الثالث من الصوم
( السجود للصليب )
( مرقس 8 : 34 ، 9 : 1 )
للمتروبوليت بولس صليبا
" ان اراد احد ان يتبعني ، فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني " . هذا هو تحدي المسيحيين الدائم ، أن يبرهنوا أنهم مثل مسيحهم ، وإلا فالمسيحية ماتت مع المسيح على الصليب . " أطلق هذه العبارة فيلسوف ملحد ساخرا من المسيحية ".
هناك عدة أعياد نعيّد فيها للصليب المقدس ، أهمها عيد رفع الصليب في الرابع عشر من أيلول ، وهذا الأحد ( الثالث من الصوم ) هو عيد السجود للصليب الكريم .
نعم ، ان صليب المسيح ، رئيس الكهنة ، كان مذبحه .. الصليب هو المذبح الذي صار عليه المسيح مقدِّما ومقدُّما ، ذابحا ومذبحه ، كاهنا وضحيته . هذا هو المعنى الحقيقي للصليب ، انه مذبح . لهذا نسجد له . لهذا نعلقه على صدورنا ، نرسمه ، نرفعه في المنازل ... ان كل مكان يجب ان يتحول إلى مذبح يقدّم المسيحي فيه وعليه ذبيحة .
يعرف المسيحيون من رسالة الصليب ، أي من تقدمة ذاتهم الدائمة على هذا المذبح ذي الخشبتين الأفقية والعامودية .
بهذه الحركة تجعل الصليب مذبحا ، لنقدم كل عمل ذبيحة حب عليه . حتى نحمل الصليب على صدورنا ، يصير في الواقع هو من يحملنا . مشهد المسيحي والصليب معلق على صدره يجب ان نعتبره ونفهمه كمشهد الصليب والمسيح معلق عليه .
كل مكان رفعت أو رسمت عليه اشارة الصليب ننظر اليها كتلك الحجارة التي بناها ابراهيم وقدم عليها اسحق ـ ابنه ـ ذبيحة . الصليب هو مذبح للرب . رسمنا الصليب قبل الطعام ، ندرك ان حقّنا منه هو حد الحاجة . وان ما بعد ذلك هو حق الآخر ، واشباع للأنانية مرفوض .
لنرسم الصليب قبل ان نتصرف باي مبلغ ، أو حين نفكر بأموالنا ، فندرك على الفور ان المال ليس لنا ، وان حقنا فيه هو حاجاتنا ، والآخرين هم أصحاب الباقي منه . لنرسم الصليب فوق كل مشهد ، ولندرك أن لنا منه العفة فقط . لنذكر الصليب أمام كل كلمة ننطق بها فيقودنا إلى عفة اللسان . لنصلب بكلمة أخرى كل شهواتنا ، أو بعبارة أوضح ، لنقدم كل ما لنا ذبيحة محرقة على مذبح الصليب وهو يطهرنا من كل أنانية . ميّزة تلامذة يسوع أنهم يسيرون معه مصلوبين على مذبح الحب الالهي الحي . الصليب هو مذبح يقلب حياتنا من حياة لصوص إلى حياة كهنة . لصوصية هي الأنانية ، كهنوت هو المحبة . حمل الصليب هكذا ما هو الا الصوم بالذات . هذه الممارسات هي أصوامنا ، فالصوم بالعمق هو عملية ذبح دائمة وجراحة مستمرة لشفاء أنانيتنا ، هو سر الانتقال من المعاناة إلى وجه الله .
يقلبنا الصوم إلى كهنة الحب الالهي ، نحيا ليس فقط لأنفسنا بل كسيدنا الرب يسوع ، نعيش لسوانا . لهذا يترافق الصوم مع الصليب كما المحبة مع المذبح . الصليب هو مذبح بذل الذات ، لهذا وضع في وسط الصوم ، لأن غاية الصوم المبارك هي المحبة وشفاء الأنانية المعشعشة في قلوبنا ونفوسنا ، غايته الأخيرة هي رؤية الله ومجده . قراءات الصوم تركز على شخص موسى وإيليا ، وكل منهما صام عندما أراد أن يرى الله ، هذه غاية الصوم وأداة ذلك هو سر الصليب .
المسيح ، المحبة الذبيحة، رفع ذاته على مذبح الصليب . ولكنه أيضا بالكنيسة يرفعنا ، لأننا أحببناه بعد أن شدنا إليه بحبه لنا ، يرفعنا على صليبنا لنكون ذبائح ومحرقات حب وانسانية لكل اخوته واخواته .
هذا هو المذبح الجديد ، صليبنا اليومي هو ان ننكر ذاتنا حاملين هذا الصليب مذبحا لنا في كل مكان ، تابعين خطا سيدنا فنكون له تلاميذ ، نموت معه على شبه موته ونقوم معه على شبه قيامته .
" لصليبك يا سيدنا نسجد ، ولقيامتك المقدسة نسبح ونمجد " .
آميــــــــــــن .