|
الصوم الكبير أحد الأورثوذكسية للمتروبوليت بولس صليبا "سهوت عن أكل خبزي ، لصق عظمي بلحمي " "تعال وانظر ..." ( يوحنا 44 ـ 52 )
السؤال الذي يسأله الإنسان العادي هذه الأيام هو " لماذا كل هذه الصوام ؟ ما هو الصوم؟ هناك اجابات عديدة على تلك الأسئلة . للبعض يبدو الصوم تعذيبا للجسد واخمادا لثوراته. وللآخر الجسد هو سجن للنفس الخاطئة أو تعذيب أو عقاب لها . وفي الحقيقة ليس الأمر كذلك . الجسد ليس مقدسا وحسب ، بل هو مقدس للرب ، كما عرّفه الرسول بولس. الجسد مقدس ، وبالصوم يتقدس أكثر . لآخرين الصوم هو مجرد ممارسات استغفارية أو استدرار لرحمة الله أمام خطايانا البشرية . نعم ! نرى هذه النظرة في أمكنة ، لكن الصوم ليس هذا فقط . فما هو الصوم إذن ؟ لنجد الجواب الصحيح علينا أن نرجع إلى الكنيسة الأولى خلال القرون الأولى من تاريخ حياتها . الكنيسة الأولى انطلقت من قيامة المسيح ، لم يكن عندها " صوم كبير " أو أصواما أخرى . كان عندها " عيد " أكثر بكثير مما كان عندها أصوام .الحدث كان قيامة المسيح وكان الفصح في الكنيسة هو العيد . لكن بعد مضي وقت قصير على القيامة ، بدأ المسيحيون يستعدون للتعييد بثلاث أيام صوم قبل الفصح . ثم أطالوا الصوم فصار أسبوعا كاملا " أسبوع الآلام ". وهكذا ، بينما كانت تحاول الكنيسة أن تحيا العيد ، تمخضت بالأصوام وهذا ما قادت إليه الخبرات الروحية : ان العيد يستحق فعلا أربعين لا بل خمسين يوما من الصوم . الصوم في الكنيسة هو استحضار العيد . الصوم سلم ، كل يوم من أيامه هو بمثابة درجة نصعد بها إلى يوم العيد . الصوم بكلمة هو " هبة " وهي اشراقات العيد . يبدأ العيد صغيرا ثم يأخذ بالنمو من أول يوم من ايام الصوم . يستحضر الصوم العيد البعيد ويجعله قريبا . الصوم هو تجلي العيد ، الصوم الكبير هو فترة تبدأ بتصييرنا فصحيين حتى إذا ما جاء العيد نعيّد العيد. الصوم كتجلّي للعيد يصير بالحقيقة تجل للانسان الفصحي الذي يقدر على التعييد. المسيحي ، منذ عماده يصبح فصحيا . لكن المسلكيات اليومية ترمي علينا وشاح انسان عتيق بعد أن كنا قد لبسنا المسيح وكلنا نتأرجح بين ذلك العتيق وبين المسيح ، والصوم يجلّي فينا الانسان الجديد ، أي انه يغسلنا ويطهرنا بالتوبة . الصوم إذا هو حركة توبة أي خلع الوشاح القديم ولبس الانسان الجديد .
تعال وانظر يا لها من دعوة جريئة ومقدسة ! فيلبس يدعو نثنائيل ليشاهد معه ماذا ؟ من ؟ الله ! كانت الدعوة غريبة ومتحدية . لأنه بمفهوم العهد القديم لا أحد يرى الله إلا ويموت ! فكيف يدعو فيلبس لرؤية الماسيا ـ الله ؟ لعل واقع هذا التحدي آنذاك لم يكن أسهل من واقعة اليوم . هل من السهل أن نخرج اليوم من الكنيسة ونلتقي قريبا ، مؤمنا أو غير مؤمن ، ونطلب إليه " تعال لأريك الله "؟ ورغم من أن التحدي كبير ، إلا أن المسيحي الحق يعرف أن الرسالة ملقاة على عاتقه . نعم هذه هي رسالتنا أن نكشف الله للآخرين ، لأننا رسل محبة وفداء لخلاص الآخرين . هذا التحدي نتباه لأننا ندرك أنه حاجة ماسة للناس . العين البشرية لا ترتاح إلا لرؤية أيقونة الله . وهذه الحاجة هي الحاجة البشرية الأخيرة التي عبّر عنها فيلبس حينما قال :" يا سيد أرنا الآب ( الله ) وحسبنا " . الإنسان خروف ضال يبحث ، والمسيح جددنا جاعلا ايانا نور العالم .هنا تكمن رسالتنا وسموها ، ان نقود العالم إلى الرؤية المطلوبة من كل بحث إلى رؤية الله . يا لعظمة هذه الرسالة ! ان المحبة المسيحية تلتقط فورا هذه الحاجة البشرية لتتبناها فتجعلها رسالة . " تعال وانظر " . هذه العبارة تلخص خطاب المسيحي مع كل انسان حوله . انها تلخص بالنهاية أورثوذكسية كل مسيحي . والمقصود هنا بالأورثوذكسي ( استقامة الرأي ) الأورثوذكسية ( استقامة المسلك ) . هذه العبارة هي كلمتنا إلى الناس ، إلى أي فكر انتموا ، انها هاجس في داخلنا . طوبى لأقدام المبشرين بعبارة السلام هذه . وردا على السؤال " يا سيد أرنا الآب وحسبنا " ، أجاب يسوع :" من رآني فقد رأى الاب " . المسيح هو صورة الآب ، انه كلمة الأب للناس ، يمثل كامل المشيئة الإلهية ، نرى به ونعرف الآب وهو الذي يكشف لنا . وهذه الكلمة ، المسيح ، نراه نحن ونتلقاه ونحيا معه بطرق متعددة . يمكننا أن نرى يسوع ونخاطبه ونتعلم منه بواسطة الأيقونة. هل رأينا أيقونة للضابط الكل وتعلمنا عناية الله بنا ودعوته لنا ! كلما نظرنا إلى أيقونة الميلاد نجوز بها إلى حدث التجسد ، إلى النداء الإلهي ، إلى فتح الله لتاريخنا البشري ، وتاريخنا الشخصي الذي يدفعنا إلى جواب يوجه حياتنا . الأيقونة هي المسيح معبّر عنه بالألوان . الأيقونة تعبر حينا عن عناية الله بهذه الألوان ، وحينا آخر عن جبروته ، عن تواضعه وعن كل شيء . فنحن نتخاطب والمسيح بواسطة الأيقونة . الأيقونة أداة عبادة . ونقصد بالعبادة هنا كل ما يقودنا إلى مخاطبة الله والتشاور معه بشأن حياتنا ، مسلكيتنا ، رسالتنا ، وعلاقتنا بالآخر . بالأيقونة إذا نرى الله ، وبالأيقونة نكشفه للآخرين أيضا . وإذا كنا نودّ أن نرسم المحبة الإلهية ونكشفها للناس في أقصى حد لها ، ونلخص عبارة يوحنا الحبيب ،" ليس حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه " فلنرسم المسيح باسطا يديه على الصليب ، ولنكشف هذا السر للجميع .
ما الذي يربط هذا النص بعيد رفع الأيقونات اليوم ؟ اذا ما استبدلنا كلمة " وجدنا المسيح" بكلمة " نظرنا المسيح " لوجدنا الرابط بين الاثنين . ان اكثر فعل يمر بالنص هو ما يتعلق بالرؤية والنظر ، انه نص انجيلي يقدس العيون . كان إله العهد القديم يتراءى بأشكال وعلامات مختلفة ، ثم أخيرا كشف ذاته للناس، أي عندما حان ملء الزمان وصار باستطاعة رجل مثل فيلبس أن يقول لصديقه نثنائيل " تعال وانظر " الله ،أتى الله . إله العهد الجديد ، هو إله يكشف لنا ذاته كما هو وليس كما نظنه أو نريده . لذلك بالميلاد ظهر لنا الرب بالجسد ، وصار يمكننا أن نرسم للابن أيقونة لأننا قد رايناه "ووجدناه " ( يوحنا 1 : 45 ) . لا نرسم الآب ، أما الروح القدس فنرسمه بشكل حمامة ( من المعمودية ) أو بألسنة نارية ( من العنصرة ) .
الأيقونة هي وساطة بمعنى انها أداة تصلنا بالله ، الله الذي نغيبه عن أغلب ساعات يومنا، فتأتي الأيقونة لتحضرنا إلى حضرته وتذكرنا بندائه . " أنا على الباب أقف واقرع " ( رؤيا 3 : 20 ) . الأيقونة هي في وسط عملنا ، وبيتنا ، وفي غرف نومنا وغرف الجلوس والسيارات ، في المحفظة والكتاب ... وكيفما التفتنا تكون في وسطنا . ويصير الله شيئا فشيئا ومن خلالها وسط الحياة . هذا هو ارتباط انتصار الأورثوذكسية برفع الأيقونات . المسيحي الورثوذكسي هو من موقعه ، من حياته ، مستقيم وصحيح . وهذا الموقف الصحيح ما هو إلا " طلب رؤية المسيح " . حين ارتفعت صورة المسيح وصور قديسيه عاليا في المجمع السابع ( 842 م )، ارتفع معها هذا الهدف عاليا وواضحا . والأيقونات المرفوعة في الكنائس والمنازل و... ما هي إلا دفع لهذا الهدف نحو مساره القويم والصحيح . ورؤية الأيقونة ، رؤية المسيح ، يجب أن تترافق مع "طهارة القلب " لأنه " طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله " لذا فإن طهارة المسلك تجعلنا نرى الأيقونة تهذّب وتعفّف فينا المسلك .. وهذا هو الاكرام والسجود الحقيقي للايقونة . آميـــــــــــــــــــن .
|