أحد المغفرة
( مرفع الجبن )
للمتروبوليت بولس صليبا
هذا هو الأحد الرابع الذي فيه نتهيأ للصوم . فيه ننهي تدريجيا مرحلة التهيأة وندخل في مرحلة الصوم . فابتداء من نهار الاثنين يبدأ الصوم . والأحد نفسه يدعى " أحد مرفع الجبن " لأنه ابتداء من اليوم الذي يليه أي الاثنين نبدأ ، بناء لتقليد الكنيسة بالابتعاد عن المنتوجات الحيوانية والصوم عن الطعام من العشا وحتى ظهر اليوم التالي .
نهار السبت الذي يسبق مخصص لذكرى الرجال والنساء الذين خصصوا ذواتهم للحياة النسكية. في اول الصوم نكرّمهم كموحين ومتشفعين لنا في مرحلة التهيأة والتوبة .
رسالة الرسول بولس إلى الرومانيين ( 3 : 11 ـ 14 ) تدعونا لنبتعد عن اعمال الظلمة ونلبس سلاح النور ، ان نسير بصدق في النور ، هاربين من الظلمة . الزنى ورغبات الجسد . ويصل الرسول موضوع الجسد بموضوع الصوم . يؤمن شخص بأنه بإمكانه ان يأكل لحما ، آخر يأكل اعشابا فقط. فلا يحتقر الذي يأكل اللحوم الذي يأكل الأعشاب ولا يدين الذي لا يأكل الذي يأكل . من انت يا من تدين أخا ؟ كلاكما يعتمد على السيد المسيح .
ونستخلص من النص ثلاثة حقائق أساسية ، تستحق منا التأمل :
1 ـ حقيقة يوم الدينونة .
2 ـ شمولية ذلك اليوم ومسكونيته .
3 ـ ان المحبة هي معيار الدينونة .
دينونة الله هي مبدأ انساني عام بحسب الضمير أولا . عدالة الله ومحبته توعد بتصحيح الأمور المعوجة في هذه الحياة . وسيعوض للمظلوم ويدين كلا بحسب أعماله .مجيء المسيح الأول ( ميلاده) هو منتهى الأيام بالنسبة للعهد القديم ، لأن الرب حين يتجسد سوف يدين العالم والأمم ويبسط ملكوت الله . والعهد الجديد يهيئنا إلى مجيء الرب الثاني ويضعنا في سهر وانتظار .
الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو أنهم يشعروا بأن الرب " أبطأ" . فتمرّ الأجيال وانقضت الألفية الثانية وها نحن في بداية الألفية الثالثة ، فيتولد عند المؤمن الشعور بأن السيد يبطئ ، ان لم يتولد الشعور ان الإيمان بيوم الدينونة هو تعليم تربوي وليس حقيقة تاريخية ستحصل .
" اسهروا " هي الكلمة التي يجب ان تخرج إلى مسامعنا كلما عبر زمان. وهذا ما تريده الكنيسة اليوم وفي هذا الأحد بالذات ، حين نتذكر يوم الدينونة الرهيب !
سيجمع السيد كل الأمم وليس أتباع دين واحد دون آخر أو أبناء أمة دون سواها ... الله هو أب الناس أجمعين بالرغم من اختلاف اللون والديانة واللغة و... انه العادل الوحيد والأخير . لكن السؤال هو هل عند الله محاباة للوجوه ؟ وكيف سيدين من هم خارج ديننا؟ ما هو المعيار المشترك الذي سياخذ الرب به دون أن يظلم احدا بل ليقيم العدل ؟
لا شيء مشترك في حياة كل البشر سوى المحبة! كل شيء بين الناس مختلف ، لكن الأمر الوحيد المشترك بين كل الناس هو انسانيتهم أي محبتهم وعمل الخير . لذلك يشدد يسوع ان الدينونة ستقوم على أساس " الأعمال " وليس على أي اعتبار آخر . هكذا عندما يفرز الخراف عن الجداء ويفصلهم عن يمينه وعن يساره لا يسأل عن أي معيار غير الأعمال الحقيقية ، وهذه المحبة العملية .
عندما تكون المحبة هي معيار الدينونة ، هذا يعني الكثير وخاصة عندما يوحّد الديان ذاته بذوي الحاجات ، " فكل ما فعلتموه بهؤلاء الصغار ( الضعاف) بي فعلتموه". هنا يوضح السيد ما ردده يوحنا الحبيب " انه لا يمكننا أن نجد الله الذي لا نراه إذا كنا لا نحب القريب الذي نراه . الدين كعلاقة حب وعبادة الله لا تقوم مباشرة بين المخلوق والخالق . إنما يثبت الإنسان محبته لغير المخلوق حين يعتني بخليقته . هنا محبتنا العملية للقريب تبني المحبة مع الله ، أو العكس ان اهمالنا للقريب هو الذي يحدد دينونتنا .
فالمطلوب ممن يريد أن يحب أولا أن يؤثر الآخرين على ذاته ، ان يحب الآخرين لا ذاته ، ان يفصلهم عن نفسه . هذا يعني أن عليه أن يكون قادرا على تجاوز أنانيته ، وأن يقول لشهواته ورغباته " لا " . لهذا في الأحد الأخير قبل الصيام نقيم تذكار لطرد آدم من الفردوس لأنه لم يحفظ الصوم فيه .
المسيح بصومه أربعين يوما يؤكد على قوله " لا " لإرادته البشرية و" نعم " للإرادة الإلهية ، ويوضح لنا طريق العودة المعاكسة لطريق الآدميين عامة .
الصوم في هذا المعنى هو تدريب على المحبة في نهاية المطاف ، يقوي طاقة المحبة بهدمه حواجز الأنانية ، ويروض الإنسان على حركة المحبة نحو الله والقريب ، ويجعله مرهف الاحساس لهما . ولهذا يترافق الصوم مع الاحسان . الصوم يدرب الإنسان على تجاوز الإشباع الأناني عنده فينقذه من هذه العبودية .
هكذا جرب الشيطان آدم ، إذ عرض عليه اشباعا أنانيا وتملكا وتألها بقدراته الذاتية وبإشباع اللذة . وصار مذاق تلك الثمرة مرا في النهاية . وأكثر من ذلك ، جعل هذا الاشباع على حساب الله متهما اياه بالحسد . ان الاشباع الأناني يقوم دائما على حساب الآخر ، مما يعني الابتعاد عنه ، وهذا هو الجحيم بالفعل لأنه انقطاع وعزلة . لذلك قلت ان كل اشباع أناني نهايته مرّة .
وهنا يأتي دور الأصوام في قلب هذه الحركة ، من أجل إيقافها وبث الشوق إلى حياة الفردوس . وما الصوم إلا اعادة لهذا الفردوس الضائع ، إنه وقفة بكاء على الأبواب ، وحنين إلى الأرض المشوق إليها .
هكذا يصير الصوم فعلا أداة عودة ، لا هدفا . وإلا لعادت هذه الفضيلة وانقلبت إلى حركة أنانية تبعدنا عن رؤية وجه المسيح ، وتشعرنا بالبر الذاتي .
الصوم هو قلب للرغبات ، انه الانتقال من اشباع الذات إلى تهذيبها ، والتفكير بالخالق وبالآخرين. انه تحويل الحب من الذات إلى الخارج ( الله والقريب) ، فالموضوع ليس موضوع تقوية للإرادة وحسب ، وانما هو فعل محبة ، وانطلاقة للشخصية وتحرر من قيود الأنانية .
ويمكننا اليوم أن ندرك ضرورة الصوم أكثر مما مضى . ففي هذا العصر المشبع باللذات والمبيح لكل اشباع أناني دون رادع أو حدود ، صار الصوم مطلبا أكثر الحاحا ... فأين المنادون إلى إلغائه وتعديله . عندما يصير الإنسان عبدا لذاته عندها يحتاج الى صوم أكثر من ذي قبل . الفردية مسيطرة على إنسان اليوم ، عليه فإن الحاجة إلى الصوم هي أكثر من ذي قبل . ان شباب عصر الرفاهية لبحاجة أكبر إلى الصوم من شباب عصر القلة .
أخيرا يفتح الصوم العين على الله والقريب . هكذا يصير أداة توجيه نحو الله وواسطة لقاء معه .
آميــــــــــــــــــــــــن .