أحد مرفع اللحم
للمتروبوليت بولس صليبا
( متى 25 : 31 ـ 46 )
" إن كل ما فعلتموه لأحد إخوتي ....في قد فعلتموه "
تقيم الكنيسة هذا الأحد خدمة تذكار الدينونة أي مجيء ربنا يسوع المسيح الثاني الرهيب : والتذكار في الكنيسة لا يعيّد بمعنى الذكرى ، إنما بقصد التذكير .
تذكرنا الخدم الإلهية والنص الانجيلي بيوم الدينونة . وتوضح لنا بأي مقياس سوف ندان. في رسم المجيء الثاني للرب يسوع المسيح يتوسط الرسم ميزان للأعمال ، وهو مستند على مائدة قد وضع عليها الانجيل المقدس . اليوم تفتح الكنيسة المصحف على هذا النص، إنه دستور الدينونة. وما سمعناه كان واضحا أننا سنحاسب بمقياس الرحمة "أي المحبة" . والمحبة ليست مفهوما مطلقا يمكننا ألا نراه في شكل ، أو ألا نلمسه في جسم. فنحن لن نفهمها أبدا في صفتها المطلقة تلك، إلا إذا شعرنا بها وترجمناها في ممارساتنا. وهذا ما يؤكد النص على لسان السيد " كل ما فعلتموه ..." فلا فائدة إذن من كلمة محبة بالمعنى المجرد. سوف يفرزنا الكتاب إلى "اغنام " بحسب " أعمال المحبة ". المقياس اذن هو " فعل المحبة" أو غياب هذا الفعل .
المحبة تعني بكلمة صريحة ، تفضيل الآخر على ذاتي ، والأنانية تعني العكس ، أي تفضيل ذاتي على الآخر . " احب الآخر" لا يعني انني املك مشاعر حب نحوه وحسب ، ولكن أريد أن أفضله على حبي لذاتي . والجداء والخراف في النص الانجيلي ، سمعت من الرب نفس الكلمات ، وكانت ظروفها هي نفسها من مسائل المساكين والمساجين والجياع والعطاش ... والأغرب من كل ذلك ان كلا الطرفين ناداه بالكلمة ذاتها " يا رب" . لكن ما فرق بينهما هو انهم " فعلوا" أو لم " يفعلوا" ، التزموا أو لم يبالوا بمسائل الاخوة. وبما ان المحبة المقصودة في الانجيل هي " فعل" المحبة، لذلك فإنه من المستحيل ان نحب الله الا من خلال خدمة اخوته. ان نحب الله يعني ان نقدم له افعال حبنا ، وهذا غير ممكن الا في خدمة من يحبهم، الذي مات ويموت من اجلهم، اي اخوته، لذلك يقول بولس الرسول:" من يقول انه يحب الله وهو لا يحب ( يخدم) اخوته فهو كاذب .
لهذا يأتي الصوم كحركة عفة، اي تخل عن الأنانية . الصوم ياتي كحركة تطهير في تبني للانسان الجديد وانعتاق من الانسان القديم . كحركة مغايرة في التوجيه ، وهذه هي التوبة.
لذا نرى كيف يترافق الصوم مع اعمال الرحمة وللرحمة أشكال . حدد الصوم لنا لكي نتعلم المحبة بواسطته. فهو اداة تنمي فينا الحس بالآخرين، والاعتراف بحقوقهم ووجودهم . غاية الصوم ان يصير الآخر منظورا في اعيننا ، وغير متجاهل من قبلها بل جميلا فيها . الصوم هو عودة إلى الفردوس الحقيقي . الانسان في انانيته يحدد فردوسه في مصلحة ذاته ، بينما يجعل الصوم خدمة الآخر حياة له وفردوسه .
" ابعدوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية"
يعرف الله " بالديان الحقيقي والعادل والنهائي ". واليوم ونحن على ابواب الصوم الكبير تقرأ الكنيسة على مسامعنا النص الانجيلي القائل " حين يأتي الرب في مجيئه الثاني المجيد ليجازي ... يفصل الجداء عن الخراف أي الأشرار عن الأبرار ، فهؤلاء يذهبون... السؤال الذي يطرح نفسه هو : ماذا بعد الموت ؟ جواب الرجاء والعقل البشري هو " ان ما بعد الموت هو زمن المجازاة والحياة والعذاب الأبديين. هناك سيعوّض للمظلوم ويعاقب الظالم . ولعل أهم العبارات التي نعرفها والتي تصف الحياة بعد الموت هي " الفردوس " و " الجحيم" و" جهنم " . وهذه الكلمات تعبّر بعمق عما أعده الله لنا.
ان ما هو واضح من الصور التي يعطيها السيد عن جهنم ، هي انه هو السبب ، وهو الذي يرسل إلى جهنم وهو من يرمي فيها ، وان جهنم هي المكان الذي لا يوجد هو فيه. " ابعدوا عني يا ملاعين ". جهنم هي المكان ـ أو الحالة التي لابليس وملائكته وليست لله وعبيده.
نار جهنم هي قساوة الانفصال عن الله، " اني لا اعرفكم"( متى 25 : 12 ) هذه هي نار جهنم أن نحيا بعد الموت دون المسيح .
ففي مفهومنا الأورثوذكسي ليس هناك جهنم بالمعنى الدارج ، أي وجود معني ومخصص، فالله لا يعاقب لأنه أب محب ولا يحرق لأنه فيض نور. ولكن جهنم هي عذاب من هو غير قادر على مواجهة الحب الالهي الذي لم يبادله ، وهي اللقاء مع الحب الذي لم نشارك به ولا نستطيع .
في كل منا ، حتى مهما كان الانسان شريرا ، هناك بوادر حب وميول انسانيه طاهرة ، مهما ندرت لا تموت. لذلك سيبقى الانسان مهما تعذب شيء من الفردوس ، أو سيكون لكل مؤمن صادق بالتواضع والخدمة حظ فردوسي غني وثمين . والفردوس كما جهنم ليسا عالمين هناك، بل علاقة مع الله بذورها ههنا . ما يختلف به ما هو هنا عما هو هناك هو حجم الفردوس او جهنم . فهنا نرى الله كما في مرآة وهناك نراه وجها لوجه. جهنم هي بذرة صغيرة كافية في اهمالنا وبعدنا عن الرب يسوع هنا، والفردوس هو عربون نلمسه في ممارستنا الصادقة والواعية لإيماننا وشهادتنا هنا. في وقفة اليوم على بدايات الصوم متأملين اية دينونة نكوّن لأنفسنا ، هل هي حكم الفرح بالحضرة الالهية فردوسا ام هي صدام النكران مع النعمة ؟ لذلك نردد مع الترنيمة الصومية :
اتفطن في هذا اليوم الرهيب وانوح على افعالي الرديئة ، كيف أجاوب الملك الذي لا يموت؟ وبأية دالة سأعاين الديان أنا الشاطر ؟
لكن أيها الأب الحنون والابن الوحيد والروح القدس ارحمني .
آميــــــــــــــن .