أحد الابن الشاطر
للمتروبوليت بولس صليبا
لوقا ( 15 : 11 ـ 32 )
" أقوم الآن وأعود إلى أبي "
سؤال : ما الذي دفع هذا الأب لأن يقبل طلب ابنه الأصغر فيقسم ويعطيه حصته ليرحل إلى بلاد بعيدة ؟ المحبة . تحترم المحبة الحرية ولو أخطأت هذه الأخيرة .
سؤال : ما الذي دفع الأب ليجلس وينتظر ويرجو عودة ابنه الضال ؟
المحبة !
سؤال : ما الذي دفع الأب أن يستقبل ابنه الأصغر بالاكرام والقبل ويخرج لاستقباله ؟
المحبة !
سؤال : ما السبب الذي دفع الأب أن " يتوسل " ابنه الأكبر كي يدخل ؟
المحبة !
انها محبة الله التي لا تعرف حدودا لخليقته .
لقد عرّف الرسول يوحنا الأب السماوي " بمحبة " . ليس من كلمة أخرى تستطيع أن تعرّف عنه أكثر من ذلك . أما السؤال الأصعب فهو : ما الذي جعل الابن الأصغر يقوم ويعود إلى أبيه ؟
هناك جوابان : 1 ـ إنها الخطيئة . إن حياة الخطيئة واهية . إنها كالخرنوب تبدو للوهلة الأولى جذابة وحلوة ولكن أثرها الأخير مرّ . تصير خبرة الخطيئة في حالات كثيرة ، دافعا للتوبة . الإنسان قد خلق صالحا بفطرته ، لذلك من الصعب عليه أن يحيا غريبا في عالم الشرور .
مع كل ذلك ، هناك الكثير ممن عاشوا في غربة عن الله مع خرنوب الخطايا ، وماتوا دون أن يغيروا مجرى حياتهم . السبب العميق الذي حدا بهذا الإبن إلى الرجوع أو إلى التوبة هو : الأب الحنون . انه العامل الثاني والأهم . لقد تذكر هذا الابن في غربته ، حين لم يكن من يعطيه خرنوبا ، حب الأب ، وعنايته ، وحنانه . هذا الواقع السماوي العذب دفق في مفاصل هذا الابن المحلولة والمتعبة حياة ليقوم ويعود .
هذا هو باب التوبة ، سكب المحبة الإلهية وفيض الحب الأبوي . ان خبز الحياة الحقيقية الذي به يحيا الإنسان ، هو الحب الإلهي .
تعالوا لنفكر عقليا بقول السيد : " تعالوا إلي أيها المتعبون وثقيلوا الأحمال وأنا أريحكم". نرى أن المسيح وكأنه يقول : " تعالوا إلي أيها المتعبون ... لكي أرتاح أنا " . ان الله متعب طالما نحن لسنا مرتاحين . عندما نكون بعيدين عن كرامة حياتنا الحقيقية معه ، فإننا لا نكون وحدنا في ألم وحسب ، بل هو أيضا ، لا بل ألمه أعظم من ألمنا .
ففي الرسالة التي يقول فيها الرسول بولس :" أنتم هيكل الله الحي " يوضح الرسول هدف المسيح من هذا الهيكل " غيرة بيتك أكلتني " نحن هياكل الله والله غيور على هذه الهياكل . لذلك عندما نخطئ يأتي ويطلبنا حتى يجدنا .
ويا لعظمة محبة إلهنا ! عندما نخطئ لا يستل سيفا ويضربنا ، لا بل نقابل بحبه الكبير . " وحيث تكثر الخطيئة هناك تكثر النعمة" . " افتح لي أبواب التوبة يا واهب الحياة " . هذا هو باب التوبة ، الغيرة والحب الإلهيان . هذا ما عرفناه عن الاب السماوي في تاريخ البشرية . والعهد القديم رغم لغته ، وقصصه ، وتاريخه ... فإن موضوعه الجوهري الوحيد يبقى في أن الانسان الشارد محترم ، لا بل مطلوب من الغيرة الإلهية أيضا ، ومحبة الله تتبعه حتى النهاية ، حتى ولو اضطره الأمر لأن يقدم ابنه الوحيد ذبيحة من أجل ذلك .
وهذا نختبره في كل يومياتنا وأحداث حياتنا ، وفي كل موقف نبتعد فيه عن بيتنا الأبوي . ما أكثر هذه المناسبات ، وما أسهل الغفران ! يكفي أن نطلب منه بإرادتنا . هذا ما نختبره بالصلاة . فلو سألنا مصليا أو متنسكا ما الذي يدفعه ليعود بذهنه إلى قلبه وصلاته بعد أن يكون قد شرد بعيدا . نسمع جوابه :" إني على موعد ، ويسوع ينتظرني وغيرة يسوع على قلبه قد أكلته .
سر اللقاء بالله بعد أن نبتعد عنه هو أن الآب على الباب يقرع وينتظر لنخرج ونرمي بأنفسنا على كتفيه فيعانقنا ويقودنا إلى بيت السلام .
" أقوم وأعود الى أبي وأقول له يا أبتي ..." . أعود لأني أعرف بأنك تنتظرني ، أعود لأن سكب حبك قد جرحني .
أفخارستيا التوبة
يمركز الرب في هذه القراءة الخطيئة والتوبة حول الطعام . الابن يرحل فيبدأ بأكل الخرنوب مع الملذات ، ثم يعود إلى أبيه فيذبح له العجل المسمّن . ان اللقاء مع الأب الحنون ، وخبرة المصالحة والغفران المجاني ، تتم في الافخارستيا .
يمتحن توبتنا كل يوم أمام دعوة الافخارستيا : " خذوا كلوا ... اشربوا منه كلكم ..." هذا هو فداء الأب الغفور المحب والحنون والذي يبحث دائما عن أولاده . يمد العالم أمامنا مغرياته الجذابة وشباكه ويمد الرب يسوع أمامنا مائدته وجسده ودمه . والخطيئة والتوبة تتعلقان في تفضيل أحد العرضين على الآخر .
" اذبحوا العجل المسمّن وتعالوا لنأكل ونفرح ..." الكأس المقدسة المعروضة كل يوم ، وصرخة المرنم " ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب ... كلها قادرة فعلا أن تجعلنا نقول : " ليذهب العالم ولتأت النعمة " . كلها قادرة أن تجعلنا نقرر ونفضل الخبز الجوهري على مغريات العالم ، وتجعل الصلاة والصوم طعامنا اليومي والأساسي ـ الجوهري .
آميـــــــــــن .