أحد الفريسي والعشار
( لوقا 18 : 10 ـ 14 )
للمتروبوليت بولس صليبا
جناحا الفضائل "المحبة والتواضع "
" بل كان يقرع صدره قائلا : اللهم ارحمني أنا الخاطئ "
نصادف في هذا النص الكتابي نقيضين ، الفريسي والعشار . كان الأول يبدو للناس تقيا على خلاف الثاني . كان الفريسي مترفعا ، حاول أن يبرر ذاته بأعماله ، بينما كان العشار متنهدا يطلب الرحمة من الله . الفريسية هي سرطان العبادة ، أما العشارية فهي عافية محبيه ، وتقوى حقيقية .
فما هي التقوى الحقيقية ؟ وما هو البر و التبرير ؟ وأخيرا كيف نحصل على البر وما هو السبيل إليه ؟ لقد قارن المسيح بين الانسانين على ميزان المعبد ، لأن الصلاة وحدها تكشف الداخل وتعكس الانسان على حقيقته . وسر التقوى يحدده الرسول بولس بتجسد المسيح ، عرس الانسان بالله واتحاده به .
الفضائل ليست أعمالنا ، وانما هي عمل الروح القدس فينا . الانسان الروحي هو الذي اخضع جسده لروحه ن وأخضع روحه للروح القدس . أعمال هذا الإنسان تصبح بارة . انها ثمار هذه الحياة ، وبر هذه الحياة هو العلاقة الحية مع الله والاتحاد به .
البر اذا هو القداسة والقداسة تأله ، والتأله ليس الأعمال الاخلاقية وانما الاتحاد بالله الذي يتحد فقط بأنقياء القلوب .
الانسان يلوم نفسه لا يبررها . لذلك رتبت الكنيسة المقدسة ، قبل بداية فترة الصوم ، قراءة مثل الفريسي والعشار ، الذي يعلن لنا فيه الرب عن العبادة الحقيقية وعن الفضائل المزيفة ، وعن تحرير " العبادة " قبل أن تتحول إلى " عادة " :
في المرحلة الأولى وضعت لنا الكنيسة المقدسة مثل الفريسي والعشار لكي نتأمل فيه ، ونتعلم منه العبادة الحقة ، وندخل الصوم كميدان لممارسة الفضائل ، ونعبر منه الى رؤية وجه يسوع القائم .
المحبة والتواضع ، بحسب تعليم الكنيسة الأورثوذكسية ، هما أساس كل الفضائل . من يقوم أي صوم أو خدمة أو احسان ، أو أية فضيلة إلا على هذين المبدأين . فإذا لم تستند الفضائل على هذين المبداين يفسدوا ، لأن المحبة لم توجههما. ولعل هذا ما نقص في ممارسة الفريسي للفضائل ، الأمر الذي جعل كل أتعابه لا تبرره في عيني الرب .
مثل الفريسي والعشار يدور حول العبادة والصوم والصلاة وحول البر والخطيئة . بكلمة أخرى انه يحدثنا عن التقوى . ويبغي المسيح من مثل هذين الرجلين ما يلي : ليست كل تقوى مقبولة ، هناك تقوى ظاهرية وأخرى تقوى حقيقية . الفريسي الذي كان يبدو مبررا خرج مدانا . والعشار الذي اعتبر خاطئا ظهر على العكس مبررا .
المحبة تبني والتواضع يحفظ
هذا التزاوج هو معيار صدق فضائلنا . كيف يمكننا أن نفسر محبة الفريسي حين تجتمع الادانة بالاحسان ؟ وفي نفس الوقت كيف يحتقر الفريسي هذا العشار ويصوم مرتين في الاسبوع ويصلي ويعشر ؟ كانت فضائل الفريسي لارضاء غروره فقط ، وصلاته كانت بخورا لصنمه . لم يعبر الفريسي من الفضائل إلى المسيح ، بل عاد بها كلها إلى ذاته . حين يحقق الفريسي الفضائل يفتخر ويشعر بالتبرير ، وحين يفرض دينه أثقالا لا يقدر عليها يرثى . وقف في المعبد يتكلم مع ذاته .
المحبة هي المعيار لكشف حقيقة فضائلنا .
هل نخرج بعد الصلاة مثلا وقلوبنا ملتهبة فينا كتلميذي عمواس؟ أم أننا نشعر وكأننا انتهينا من أداء واجب ؟ وهل نصير عندما نصوم أكثر شفقة وشعورا بالآخر المحتاج أم أننا ننهي واجب الصوم لنعوض يعدها في الاعياد ؟ هل تسحق الفضائل الجدار الفاصل بيننا وبين حضرة الرب في حياتنا ؟ ام اننا حين نتمم بعضها نشتري بها كتاب طلاق إلى حين وإلى ان تحين مواسم تكفير أخرى ؟ الفضائل هي وسائل ووسائط نستخدمها لكي تبني فينا الانسان الجديد . والانسان الجديد هو الذي يعيش ويعشق المسيح بدل كل عشق آخر . فترة الصوم هي فترة لترويض أنفسنا على معرفة الرب أكثر ، أي على حب أعمق له . الفضائل المسيحية هي أداة ، الغاية هي محبة الرب والوحدة به . ولنسأل أنفسنا بعد كل صلاة : هل أحببناه أكثر ؟ أما التواضع فهو وليد الحب الحقيقي . ان من يفكر في أن نحب ، بمقدار لا يحب ، لأن الحب لا يعرف الحدود والحب الذي لا يزداد فهو كاذب . الانسحاق هو نهاية درب الحب . من يستحق تناول الجسد والدم الكريمين ؟ المنسحق وحده . الأم على سبيل المثال ، كلما أحبت ابنها كلما شعرت بأنها مقصرة نحوه . قدر المحبة هو التواضع . والمحبة التي لا يحيطها التواضع هي رياء فريسي ، من له التواضع يعطى ويزاد ، ومن ليس له التواضع فان ما عنده ينتزع منه .
لقد أساء صوم الفريسي اليه بالرغم من اتعابه ، لأنه قاده الى التعالي. الفضائل دون التواضع تخلو من المحبة ، أي انقلابها إلى أتعاب وأعمال رياء .
ما فائدة الصوم ان لم تزدد المحبة نحو الله والقريب؟ ما الفائدة من الصلوات ان لم تتوّج بالخشوع ؟ ما اتعس الجهاد حين لا يقودنا إلى غايته . لذلك يختم الرب المثل بهذه العبارة " من ارتفع ( في الصوم والفضائل ) اتضّع ، ومن اتضّع ( في المحبة ) ارتفع .
آميــــــــــــــــــــــــــــن .