تأملات في الظهور الإلهي
للمتروبوليت بولس صليبا
سوف اوجه انتباهي في هذه المقالة لسّر الظهور الإلهي .
الظهور الإلهي هو الظهور العلني الأول للمسيح . يوم ميلاده ، ظهر السيد لعدد صغير من البشر المختارين، أما اليوم كل تلاميذ يوحنا المعمدان وتلاميذه وكل الجمهور الذي كان حاضرا حيث كان السابق يعمد قد شهدوا الظهور الإلهي .
ما هي الأمور التي نختبرها في الظهور الإلهي ؟ هناك شيئين : أولا التواضع متمثلا بقبول السيد للعماد ، وثانيا ظهور المجد الإلهي الذي شهد له المعمدان ورأى بأم عينيه الروح القدس بشكل حمامة ، وسمع صوت الآب قائلا " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ، له اسمعوا ". قبل كل شيء دعوني أوكد أن كل ظهور للمسيح إن كان في التاريخ أو في حياة أي مخلوق هو بنفس الوقت ظهور تواضع ومجد . ان كل من جرب او يجرب ان يفصل الاثنين ينتهي الى تحوير وتزوير الحياة الروحية . اذ لا يمكنني ان اقترب من المسيح المتواضع دون وبنفس الوقت أن اقترب من المسيح المتمجد، ولا إلى المسيح المتمجد دون المسيح المتواضع . إذا اردت أن يتجلى المسيح فيّ وفي حياتي ، علي ان اصل الى احتضان الذي دعاه اوغسطين " المسيح المتواضع " ، وبنفس الوقت أعبده لأنه الإله والملك والمنتصر . هذا هو الدرس الأول للظهور الإلهي .
ان مظهر التواضع في الظهور الإلهي يتحقق في الواقع بكون السيد قبل ان يعمد من يوحنا معمودية التوبة : " دعني الآن وما أريد ، فهكذا يحسن بنا ان نتمم كل برّ " ( متى 3 : 15 ) . لم يكن السيد بحاجة للتطهير من يوحنا ، لكن العماد منه لمغفرة الخطايا هو تهيأة للملكوت الماسياني . وقد شاء السيد قبل اعلانه عن هذا الملكوت ان يتمم كل مراحل التهيأة ويكملها بنفسه . وكونه الكامل ، شاء أن يحمل على ذراعيه كل ما لم يكن قد اكتمل ... وبقبوله معمودية يوحنا ، قد وافق السيد على اكثر من قبول طقس قبل تحوله وأكثر من تحويل غير الكامل إلى كامل . الذي هو بدون خطيئة قبل حمل خطايانا ، خطايا العالم كله ، وباسم كل الخطأة اعلن السيد عن توبة عامة . بنفس الوقت اراد السيد ان يعلمنا أهمية التوبة والرجوع إلى الله . فقبل أن نستحق معمودية المسيح ، علينا أولا أن نحصل على معمودية يوحنا ، التي تعني أننا نمرّ في مرحلة تغيير روحي . فيها نختبر ندما حقيقيا على خطايانا . التوبة ، أولا حسب هذا المفهوم ، هي مظهر من مظاهر التواضع للظهور الإلهي . هنا نتخطى أفق معمودية يوحنا ونتذكر بأننا قد تعمدنا في المسيح . العماد المسيحي يغسلنا ويطهرنا . يهدم الخطيئة الأصلية التي فينا ويجعل منا مخلوقات جديدة . الكثير منا قد تعمد بينما كان لا يزال طفلا . نعمة المعمودية كانت آنذاك جواب الله ، ليس لطلبنا الشخصي ، ولكن لإيمان الذين قدمونا للمعمودية وبنفس الوقت لإيمان الكنيسة كلها التي قبلتنا. تلك النعمة كانت مشروطة ومؤقتة ، وتتطلب منا وبمحض إرادتنا عندما نكبر ونفهم أيماننا ، أن نثبت المعمودية . الظهور الإلهي هو قبل أي شيء آخر ، عيد المعمودية ، ليس عماد المسيح وحسب ، ولكن معموديتنا أيضا . إنها مناسبة فريدة ، لنجدد بالروح المعمودية التي أعطينا، ونجدد النعمة التي استلمنا . إذ ان النعم السرية ، التي وان كان قد توقف مفعولها بسبب الخطيئة، يمكن أن يعاد مفعوله إلى الحياة مجددا في حال رجوعنا بتواضع إلى الله . في عيد الظهور الإلهي هذا تعالوا نسأل الله أن يغسلنا روحيا وحقيقيا في ماء المعمودية ، تعالوا نفرق الإنسان العتيق ( الخاطئ ) لأن العماد هو موت سري ، تعالوا لنعبر البحر الأحمر الذي يفصل الحرية عن العبودية ولنغطس أنفسنا في المسيح في مياه الأردن لنغتسل ليس من يوحنا المعمدان ولكن بالمسيح نفسه .
الظهور الإلهي يشمل شهادتين مجيدتين أعطيا للمسيح : أولا شهادة يوحنا التي سوف لن أتكلم عنها ، والشهادة الإلهية التي أعطاها الآب والروح . شهادة الآب كانت صوته الذي سمعه يوحنا والقائل : " هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ..." وشهادة الروح كانت ظهوره بشكل حمامة ،" روح الله يهبط كأنه حمامة " ( متى 3 : 22) . هنا نجد عماد المسيح الحقيقي . الكلام الذي أعلنه الآب وظهور الروح القدس أهم بكثير من عماد الماء الذي اقامه يوحنا . عماد الماء كان مدخلا للظهور الإلهي . لهذا السبب كانت الليتورجيا المسيحية في القرون الأولى تسمي العيد الظهورات الإلهية (بالجمع) وليس الظهور الإلهي ( بالمفرد) . اذ لم يكن من هناك ظهور إلهي منفرد ولكن كان ظهور التثليث كله . لأول مرة يظهر الآب والإبن والروح القدس للعالم . الآب والروح القدس ظهرا بعلاقتهما المحبة للابن. والمسيح سوف لن يظهر لنا ، إلا إذا استطعنا في داخلنا أن نسمع صوت الآب القائل " هذا هو ابني الحبيب..." . ونرى النور الذي سطع فوق رأس المسيح المعمد . هنا يصبح عيد الظهور الإلهي عيدا حقيقيا . وتكريسنا بالابن يصلنا بالآب والروح القدس . علينا أن نصل إلى نقطة الشهادة ، كما فعل يوحنا المعمدان " رأيت الروح يهبط..." هنا يكمن مجد الظهور .
ان الله الذي ارسل يوحنا ليعمد بالماء قال للسابق " الذي ترى الروح يهبط ويستقر عليه ... هو نفسه سوف يعمد بالروح القدس" . العماد بالماء هو وجه واحد من وجوه العماد . قال السيد لنيقوديم " ان لم يعمد الإنسان بالماء والروح ، سوف لن يدخل ملكوت السماوات ". العماد بالروح أهم بكثير من عماد الماء . لأنه يعطي مواهب مختلفة وخبرات داخلية جديدة .
مصليا إلى التثليث الظاهر للبشرية أ، يلهمنا جميعا لنتخذ أعيادنا جديا وأن نجعلها حياة يومية في حياتنا .
آميـــــــــــــــــــــــــــــن .