عيد الختان ورأس السنة
( لوقا 2 : 20 ـ 21 ، 40 ـ 52 )
للمتروبوليت بولس صليبا
" وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والسن والنعمة عند الله والناس " .
اليوم بدء السنة ، نبدأها بالصلاة رافعين الأيدي ذبيحة تسبيح وشكر ، وذبيحة طلب أن تكون سنة خلاص في الخدمة وبرفقة النعمة .
يقول انجيل اليوم ان يسوع دخل في صلب الزمن وهو الكلمة الإلهية الذي فوق الزمن . فغير المحصور يتجسد والأزلي يبتدئ ، فيختن في اليوم الثامن ويسمى " يسوع " . هذا هذا الطفل نفسه الذي وهو ابن الاثنتي عشر سنة سيجلس في وسط المعلمين ويشرح لهم النبوءات .
وان كان الله فوق زمننا ، إلا انه يدخل فيه لخلاصنا ورعايتنا . والكتاب المقدس يبتدئ كما يختم بإشارات زمنية ( تك 1 : 1 ورؤيا 22 : 20 ) . الإنسان كائن يعيش في مكان وخلال زمان محددين . وهذان هما العنصران اللذان يعرفانه معا وكل منهما منفردا ويعطي عنه الصورة الصحيحة .
أهداف العام الجديد
ما الذي يمكن أن يحدث عندما يودع الإنسان عاما ويستقبل عاما أخر؟ أمور كثيرة يمكنها أن تتم . ولكن ذلك يتعلق بالإنسان نفسه . هنا يجدر بنا أن نذكر قول السيد عن الشخص الذي يود أن يبني بيتا جديدا . عليه أن يقف ويحسب الحسبان. ونحن اليوم على مفصل توديع عام واستقبال آخر ، نريده جديدا ومباركا ، يحسن بنا أن نقف مع ذواتنا وننظر ماذا نريد من العام المقبل ؟ ما هي الأهداف وكيف السبيل إلى تحقيقها ؟
يحيا الكثيرون بما فيهم المسيحيين مفهوما للزمن وثنيا وليس مسيحيا . الزمن في الوثنية هو تعاقب حقبات وتوالي سنين بشكل دوري ودائري " وليس من جديد تحت الشمس ". فالذي سيأتي هو ما قد تم ، وما سيحصل كان قد حصل . الزمن هو حلقة دائرية تتكرر احداثه حول مضمون واحد هو هو لا يتغير . إله الزمن لهؤلاء يمثله ثعبان ملتف بشكل دائري يأكل ذنبه وينمو ، فكل شيء يكرر ذاته . كثير منا يحيا هذا المفهوم للزمن ونمتد إلى الأمام لنحي ما كان بالخلف . نحيا في حلقة لا دخل لله فيها مطلقا . الرب يسوع عبر بألم وسخرية عن ابناء هذا الدهر :" انهم يزوجون ويتزوجون ، يولدون ويلدون ، وتدور الأحداث في حلقة لا تعلو عن سطح الأرض .
المسيح في الميلاد بالأخص ، دخل التاريخ ليكسر هذا الطوق الكاذب ويجعل رسم الزمن خطا مستقيما يذهب إلى غاية جديدة وليس إلى تكرار ما كان . الله دخل التاريخ ، والميلاد أوضح صورة لهذا الحدث ، والرب يسوع قال عن ذاته " أنا أعمل وأبي يعمل". وذلك ليس لتكرار ما كان وانما لتحقيق ما يجب أن يكون .
المستقبل في المسيحية يحمل جديدا لم يتحقق ، والتاريخ يسير إلى غاية . المسيح هو الألف والياء ، أي البداية والنهاية . فما تحقق فيه هو البداية ، الذي هو غاية كل إنسان وهدف التاريخ . الإنسان لا يحيا في الزمن ليبقى " إنسانا " أغنى أو اعلم أو ... ولكن الله قد دخل التاريخ وتجسد ليتأله الإنسان.
من هذا المنظور لمسيرة الزمن في حياتنا ، ما هي الأهداف الأساسية التي علينا أن نضعها نصب أعيننا لنحققها في السنة القادمة .
هناك أهداف خمسة حسب القديس مكسيموس المعترف :
1 ـ أن نوحد الإنسان مع الله .
2 ـ أن نوحد الإنسان مع قريبه .
3 ـ أن نوحد الذكر مع الأنثى .
4 ـ أن نوحد السماء مع الأرض .
5 ـ أن نوحد المخلوق مع غير المخلوق .
الهدف الأول يحقق "السلام " الداخلي على المستوى الشخصي . ان أكثر ما يؤرق الإنسان هو أنه ليس واحدا مع ذاته . لذلك فإن الغاية الأولى في زمن الحياة والأولويات هي توحيد الإنسان مع ذاته ليحيا بسلام وفرح وصدق .
الهدف الثاني هوتوحيد الإنسان مع الإنسان ، هو طريق " السلام " العالمي . الرب يسوع يدعى " إله السلام " . هذا ما بشر به الملائكة " المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام " . لا يحيا الإنسان بوئام ولا يمكنه تحقيق سعادته دون التسالم مع الإنسان ـ أخيه .
القريب ليس آخر بمعنى أنه عالم يمكن تجاهله ، ولكنه الجزء الآخر من حياة كل منا . هذه الغاية بكلمة أخرى هي تحقيق الفردوس في الخليقة . الفردوس ليس جنانا في عدن . الفردوس هو حالة الهرمونية والتناغم بين الإنسان وقريبه وبينه وبين الله . بالمسيح لا عبد ولا حر . إنه على صورة الله ومثاله . فلا يقاس الإنسان بمقدار فائدة فقط . قيمة الإنسان بالدرجة الأولى ، إنه " قريب " يمكن أن نحبه وأن يحبنا .
الهدف الثالث لا يقل أهمية عن ما سبقه . إذ كلنا يلحظ الفارق في المعاملة والاعتبار بين المرأة والرجل في مجتمعاتنا . والاجتماعات المنظورة قد حسنت من جهة دور المرأة لتعود وتستعبدها من جهات أخر مختلفة . بالمسيح لا امرأة ولا رجل . ليست الأم أقل شأنا من الأب ولا الإبنة أقل قيمة من الابن ، يمكن للطباع والمواهب أن تختلف بين الجنسين ولكن الكرامة واحدة .
الهدف الرابع علينا أن نوحد بين السماء والأرض ، أي بين ما هو مادي وما هو روحي. الكثيرون منا ينظرون إلى الأمور أفلاطونيا وليس مسيحيا . فالجسد هو عكس الروح ، والغنى عكس المحبة ، والبذل عكس الوجود . والطعام عكس الصوم ، ... هناك فصل رهيب بين ما هو فوق وما هو تحت ، بين ما هو من هنا وما هو من هناك . الحقيقة المسيحية هي مخالفة ، فالسماء هي الأرض في صورتها الحقيقية . والغنى هو المحبة ، واللذة الحقيقية هي في الروح والجسد الروحاني . فالسماء هي غاية الأرض وكل شيء في الدنيا هو أدوات وغايته هو الحياة، والحياة هي الحياة الروحية . الدنيا غير الدنيويات، الدنيوية هي اختراع بشري رديء والدنيا هي خليقة إلهية صالحة . الدنيويات هي ما في الدنيا دون الله . والعالم الحق هو الدنيا مع الله . الروحانية ليست غياب المادة إنما هو حضور الله فيها . على الإنسان إذا أن يضع نصب عينيه كهدف للتاريخ الرؤية الروحية للدنيا ، أي تقديس الزمن وتقديس المكان. القداسة ليست خارج المادة ولا فوقها ، إنما هي في المادة كغاية لها . والدنيا ليست خليقة عمياء للاستهلاك . الدنيا هي حضرة الحب الإلهي وهي روحية لأن الله فيها وبركته تقدسها .
الهدف الخامسأن نوحد بين ما هو مخلوق وغير مخلوق ، أي بين الإنسان والله . وغاية زمن الحياة هي أن يتحد الإنسان بالله ، بالجوهر ولا بالطبيعة ، ولكن بالعلاقة الشخصية. ليست الأرض المكان الوحيد للإنسان . إنه من التراب وبنفس الوقت من السماء . لذلك يصير الإنسان إلها بالنعمة وتتحقق " ياء" التاريخ بجعل " ألفها " وبدايتها " يسوع " تتحقق في كليتها وفي كل إنسان .
المسيحي لا يقبل التاريخ كما يصله ، الإنسان هو صانع مستقبله . الأورثوذكسي لا يؤمن بالقضاء والقدر ، يعي مسؤولية صنع قدره بيديه . المستقبل هو مراهنة . هذا هو المستقبل الذي نحب وهذا هو المستقبل الذي نخطط له وسنحققه .
نعم لقد صار الإله إنسانا وسيصير الإنسان بيسوع المسيح إلها .
آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــن .