الأحد الذي قبل الميلاد
المعروف بأحد النسبة
( متى 1 : 1 ـ 25 )
للمتروبوليت بولس صليبا
الاستحقاق في لغة الحب
الانجيل ليس " للتلاوة " ولا " للمطالعة " بل " للحياة " . ولا تقرأ الكنيسة لنا نصا انجيليا إلا لهذه الغاية ، وخاصة في الليتورجيا .
رتبت الكنيسة لأجل تهيئة مؤمنيها لعيد الميلاد الأحدين اللذين يسبقان العيد ، فنقيم تذكار الأجداد في الأحد الأول حيث نقرأ انجيل المدعوين الذين رفضوا الحضور إلى العشاء و كيف استعاض عنهم السيد بدعوته اناسا من كل مكان لأن العشاء قد اعد اشارة الى عيد التجسد الالهي القريب. ثم يأتي احد النسبة ، حيث نقرأ نسب المسيح البشري من ابراهيم وحتى يوسف ومريم .
من قراءتنا للنصوص الكتابية نشعر وندرك ان العزم الالهي لا يقف عند الضعف البشري اي ان الحب الإلهي لا يقيس الأوهان . فالله يعرف جبلتنا واننا تراب نحن ، كما قال بولس الرسول :" واذ كنا لا نزال في الخطيئة" ." فإذا كان الله يؤدبنا لنتطهر من خطايانا فانه لا يرفضنا حين لا نغلبها . كل ما هو بشري يحمل خليطا الهيا ـ انسانيا ، اي خليطا بين الضعف والقوة . لقد جاء الله الينا ساعيا ومر قدر حضوره الينا على ابراره كما على الخطأة.
ان الحب الالهي لا يوقفه الضعف البشري . ويقيس الله ما يمكن ان يحققه هو وليس ما يمكن ان نخطئه نحن .
كما ان خلاصنا لم يكن انجازنا بل هبته. لم يأت المسيح من البر البشري بل بالاكثر من الحب الالهي .
ثم اننا نتأمل في عظمة الحب الالهي الذي يغلب العالم ولكن دون كسر الحرية البشرية . لقد صرخ يسوع ، كما جاء في يوحنا الانجيلي : " ثقوا لقد غلبت العالم" . تلك كانت بداية الغلبة ، انها بذرتها التي زرعت ، لكن قدر الحب الالهي هو ان ينتظر آخر الأزمنة وليس ان يفرض في اللحظة . الرب يسوع هو سيد التاريخ و لكنه ، ان جازت العبارة، اسير من هفواتنا. لذلك ، حبا بنا ، يحمل أوجاعنا التي تؤجل وتؤخر على الله تحقيق ارادته بيننا. نعم ان ضعافاتنا تؤخر فيض حب الله وغلبته ولكنها لا تلغي ذلك . ألم يذكر الكتاب ان كل شيء يؤول بحكمة الله إلى خير المؤمن؟
لقد اختار الله ان يرضخ لحريتنا، وهذه عظمة حبه واحترامه لنا.لذلك يد الله ليست ضاربة بل مصلحة . لا يلغي الله مواقفنا بل يحتملها ليصلحها حين نسمح نحن بذلك . لذلك هناك في التاريخ المقدس لحظات غير مقدسة وشخصيات كذلك . الله لم يأت إلينا فقط من ابرارنا بل ايضا من اشرارنا. الحب الإلهي يظلل الشعب في انقيائه وارديائه . هذا الحب لا يبرر الخطأ ولكنه يحتمله . الحب الإلهي لا يشجع الخطيئة ، على العكس ، وانما يرجو ان يصلحها .
المحبة تتأنى وترفق ، والمحبة تترجى .
لقد كان حب الله قويا لدرجة ان سعيه الينا لم يتوقف بسبب خطايانا. لقد صمم الله ان يأتي الينا ، كما وعد حواء في الفردوس " انه من نسلها سياتي من سيسحق رأس الأفعى ". تاريخنا المتبدل الصفحات بألوانها البيضاء منها والسوداء يسير الى اللا منتهى في الحب الالهي .
نعم قد لا يستحق تاريخنا البشري مجيئه ولكنه جاء لأنه أحبنا . قد لا نكون مستحقين ولكن لنا الهبة انه احبنا . استحقاقنا لاستقباله لا يأتي من استحقاقنا بل من هبته .
في لغة الحب الالهي استحقاقنا هو هبته ، وضمانة العهد في تصميم الله وليس من خلاصنا. ان حبه يؤهلنا ، وتواضعه يجرحنا ، وجرح حبه يعيدنا ، وعودتنا تحرره لخلاصنا . لغة الحب الالهي تعرف ان قيمة الانسان بمقدار الحب الالهي وليس بهزالة البر البشري . لولا هذه المعادلة الالهية لما استحققنا يوما حضوره . ان حبه يجعل هبته تسحقناا خشوعا وانسحاقنا يغدو استحقاقنا .
المسيح اتى من السماوات ، رغم عدم استحقاقنا .. فحبه يدمينا وحضوره يرفعنا ، المسيح على الارض فارتفعوا .
آميـــــــــــــــــن.
ميلاد مجيد .