طوبى لصانعي السلام
( 1 بطرس 3 : 10 ـ 11 )
للمتروبوليت بولس صليبا
"إن الذي يحب الحياة و يرى أياما سعيدة عليه أن يكف لسانه عن الشر وشفتيه عن لسان الغش ".
أصبح معروفا أن النور الذي شع في العالم نتيجة تجسد ابن الله ، يملأ قلوبنا بسرور روحي وأمل و انتظار . في أيام تعييدنا للميلاد و الظهور الإلهي أرى عيون الكثيرين قد امتلأت بنور نجم بيت لحم .
تعالوا فننظر بعمق في ضمائرنا لنرى ماذا يمر أمام أعيننا ! طغمات من الملائكة السماويين ظهرت للرعاة الذين كانوا يسهرون على مواشيهم ، الخبر السار الذي كان الكثيرون ينتظرونه ، مجيء المخلص . وأرسل الصوت الملائكي سلاما إلى حياة كل رجل وامرأة .
" المجد لله في العلى و على الأرض السلام ومسرة بين الشعوب " . منذ ألفي سنة والصوت الإلهي يرن في آذان ونطق به شفاه البشر من كل لون وجنس و في كل زوايا المعمورة . كم من المرات عبّر الإنسان عن أمله بالسلام ، مرة بصوت خفيف و أخرى بصوت عال ؟ و اليوم يكرر نفس الصوت في الذبيحة الإلهية عندما يردد " الكاهن" من أجل سلام كل العالم".
و إذ أعايدكم جميعا هذه السنة بروح المحبة والشراكة اللذين ظهرا جليا في تجسد السيد ، أود أن أشارككم بعض الأفكار التي أعلنها الرسول بطرس في بداية هذه المقالة ، كلمات سبق للمرنم أن ذكرها في مزمور ( 34 : 12 ـ 16 ) .
حب الحياة ، الأيام السعيدة ، ولجم اللسان .
لا شك بأن السلام يأتي من فوق ، إنه هدية من الله . " سلامي أعطيكم " ( يوحنا 14 : 27 ) قال السيد الذي أصبح نفسه معطي السلام وحامله . لكن هل هو نفس السيد الذي قال في ( متى 7 : 7 ) " اسالوا تعطوا ، اطلبوا تجدوا ، اقرعوا يفتح لكم " ؟.
بلغة عامة ، يقول السيد أن السلام يأتي من فوق إذا عرفنا كيف نطلبه ونعمل له ههنا على الأرض . وعندما نجده ، نتعلم كيف بصدق وإيمان نحافظ عليه ونسير على خطاه . السلام هو هبة من الله لكنه وبنفس الوقت اجتهاد بشري . يمكن الحصول عليه بدفع ثمن ما .
سوف لن يحصل عليه الذين لا يعملون له. السلام لا يمكن أن يكون جوابا لمن لا يجتهد و يكد في حقل الرب : و لا لغير المهتم والرافض . كما لا يمكن أن يكون ثمر حياة كسولة .
كتب أحد الآباء في تعليقه على هذا المقطع من رسالة الرسول بطرس قال : " السلام ليس حظا و لا قدرا ولا نجده بسهولة . يطلب عملا دؤوبا والكثير من العرق و الصلاة". يقول الإنسان "العادي ان السلام هو قسم من الطبيعة البشرية " نعم ! لكن السلام ليس حقيقة نظرية ، و ليس رغبة تقوية ، و لا حلما هوائيا . إنه نوعية حياتية وعلامة تتطور بين المؤمن وخالقه. تخلق عندها جوا من الوئام والاتفاق و تصبح نوعية حياتية ، فيها يتحقق الفرح والأمان. ويعتبر الكثيرون أن السلام يسيطر عندما لا تكون هناك حروب ، وحالات شخصية غير طبيعية . هذا هو المفهوم السلبي، والمتحجر ، النسبي والسطحي الذي لا يمكن أن ينتج عنه عدالة و مفهوم مسيحي للعالم . فكرة السلام كما وردت أولا في العهد القديم هي مفهوم حياتي يحقق فيه كل إنسان بشريته بأكملها .
السلام إذا ليس فراغا ، لا يمكن أن نفهم بأنه عدم وجود شيء ما ؟ إنه وجود شيء ما . وجود رجل و امرأة مشتركين ومنفصلين ، متحدين و ملتزمين بطبيعتهما وبشريتهما .
لنلقي نظرة على شخص وحياة المسيح . كيف جلب السلام على الأرض ؟ بجعلي أولا إنسانا حقيقيا ، أعني بإعادة خلقي ، بنفخته مجددا في صورته الحقيقية، بقيادتي على الطريق الصحيح ، بشفائه جراحات طبيعتي. لقد فعل يسوع المسيح كل هذه الأمور ليس ببشارته وحسب ، ولكن بتالمه ثم صلبه من أجل السلام و بذلك أظهر لتباعه طريق السعادة والسلام اللتين يعتبرا الأمل الأهم لكل إنسان.
يقول الإنجيلي في ( متى 5 : 9 ) " طوبى لصانعي السلام ، لأنهم أولاد الله يدعون". يعتبر سيدنا مطوبا لا الإنسان الذي يحب السلام ويرغب به، ولكن الذي يصنعه . يطلب السيد من كل رجل و امرأة أن يفعل كل ما استطاعته لخلق و الحفاظ على السلام .
لا يعني السيد أن يتم ذلك فقط خلال فترة الحرب . ولكن في الحالات العادية حيث أمور كثيرة و مختلفة تخلق تشويشا وخوفا ولا عدالة وحروبا في حياتنا الشخصية .
أيها القارئ العزيز :
في هذه الأيام التي يعيش فيها كل منا بخوف من الحروب والسيارات المفخخة والذين يلفون اجسادهم بأحزمة الموت والدمار، هناك الكثير من البشر يعيشون تحت ضغط نفساني مخيف ، فراغ روحي قاتل ، وعلاقات شخصية مهدمة . السلام الكتابي لا يخيم على قسم كبير من عالمنا . فما هو موقفنا من كل هذه الأمور؟
بالحلم بالسلام ، باشتهائه بترداده كلاما مثل " السلام عليكم" أهو يتذكر أيام السلام القديمة ؟ هذه الأمورليست كافية ومرضية . علينا أن نتبنى حلولا مسيحية صادقة .
يطلب منا السيد أن ندخل إلى معترك الحياة ، بكل قوانا ، و أن نخصص كل مجهودنا لنحقق ونحصل على السلام الداخلي . عندما تكون العاصفة خارجا ، علينا أن نحفظ الهدوء داخلنا . هناك وسائل كثيرة ومختلفة يمكننا بواسطتها أن نخلق ونحافظ على السلام حتى في حال نشوب الحرب . يتطلب ذلك أولا معرفة إرادة السيد و عيشها . محبة الجار وخدمته . بكلام آخر " أن نكون صانعي سلام" . أي فعلة مع صاحب السلام الذي تجسد ليعطينا محبته وسلامه.
" السلام لجميعكم "
هذه الكلمات ترن أو ينبغي أن ترن دائما في آذاننا ، أن تتفاعل مع قلوبنا . والسلام الحقيقي و الإلهي فليكن هدية معطي كل الهدايا يسوع المسيح المتجسد .
آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــن .