آحاد الصوم الميلادي
( لوقا 18 : 35 ـ 43 )
للمتروبوليت بولس صليبا
( فازداد صراخا يا يسوع ابن داوود ارحمني )
يولد الإنسان وهو " يصرخ "، ومرات كثيرة خلال حياته يصرخ بتوسل ، و مرات يتوجع ، الألم ، الحاجة ، المحبة ، الأشواق وسواها ، هي دوافع تتفاعل في القلب الإنساني وترفع منه صرخات. فصرخة أعمى إنجيل اليوم الذي سمعنا قصته: " يا يسوع يا ابن داوود ارحمني ،" كانت صرخة توسل ، أي صلاة حارة.
وإذا ما تمعنا في النص لوجدنا أن ظروفه كانت مناسبة جدا ليرفع صرخات توجع أو تأفف أو تجديف. فمن ناحية أولى كان الأعمى محروما من نعمة هامة معطاة لجميع الناس بينما هو محروم منها. مع العلم أن نعمة البصر هي الأهم بين الحواس الخمس الأخرى. لقد كان غياب البصر سببا لتحول كل مجرى حياته . وكان يحرمه الأهم من الحياة. وظرف كهذا ، لا بل أبسط منه بكثير يجعل منا، عادة ، نعاتب الله ، ونعتبره مسؤولا عن شرور هذه الظروف القاسية ونشعر بالاهمال الإلهي ونشكك بصلاحه... تجارب أقل من هذه وأبسط ، تودي بعلاقتنا مع الله وتضعنا في قفص الإتهام وترمي المقاطعة بيننا وبينه وترفع صرخات التجديف . على عكس هذا الأعمى ، إذ انه عندما سمع بيسوع مجتازا ، صرخ إليه بتوسل. كل الشدائد وتجارب الحياة، إذن ، يجب أن تكون سببا لصلاة حارة. في الحاجة والحرمان و الحزن علينا أن نلتفت أكثر إلى يسوع.
من جهة ثانية ، عندما اتجه هذا الأعمى بالصراخ والصلاة إلى السيد ، زجره الآخرون، أي المقربون إلى يسوع والذين حوله. أليس هذا ما حصل مع الأطفال ؟ ومع الكنعانية؟ عندما توجه هذا المعذب إلى يسوع مانعه محيط يسوع . ماذا حصل عندها ؟ " ازداد صراخا" ! ما أجمل هذا الموقف الثابت في الإيمان بصلاح وقدرة الله ، بالله وحده . أراد الأعمى أن يصل إلى يسوع ولو لم يرد البشر الذين حوله.
وقد تكون ظروف الحياة وحاجاتها تجارب ، ولكن التجربة الأصعب هي محيط يسوع الذي ننتظر منه أن يصلنا به وليس ان يفصلنا عنه . قد يكون المرض سببا لكي نقاطع يسوع ، لكن مرات عديدة ، الذين يرافقون ويعملون مع وليسوع يلعبون الدور ذاته. عندها يجب وكهذا الاعمى ، ان نزداد صراخا . محيط يسوع له اعتباراته، التي تصح للحالات العامة غالبا ، لكنها ليست لكل إنسان وكل لحظة.
محيط يسوع نحبه ونحترمه . ويسوع يعمل فيه وبه، لكنه ليس " يسوع ". فلا شدة ولا ضيق و لا جوع ولا موت عزيز ... لا حياة ولا ملائكة يمكنها أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع، يقول الرسول بولس: المعاناة لا يوقفها يأس ولا يردعها يأس ، ولا يروعها احد ، تريد فورا أن تصل إلى يسوع . لكن السؤال هو لماذا صلاتنا باردة؟ أم أنه نصلي بحرارةفقط عندما يكون لدينا حاجة أو ضيقة شخصية كمرض أو سواه ؟ وهل المسيحي يعاني آنذاك فقط، ويصلي وقتها فقط ؟
معاناة المسيحي هي اكثر بكثير من مشاكل الجسد او ظروفه . المحبة المسيحية المسؤولة ، ليس عن المصالح الشخصية و حسب ، و لكن عما هو اكثر بكثير ، تجعل المسيحي في معاناة دائمة . " فمن يضعف ولا اضعف انا ؟ " " ومن يعثر ولا التهب انا ؟ " يقول الرسول بولس . هناك مناسبات عدة في الإنجيل صرخ فيها كثيرون إلى يسوع متوسلين، ولكن ليس من أجل ذواتهم ! لا بل ما هو معنى " بالذات " بالنسبة للمسيحي ؟ الإنجيل يجعلها في الآخرين ، المحبة المسيحية صليب يمتد إلى حاجات كل البشر ويمد الإنسان حامله لخدمة كل الناس وللشعور بحاجاتهم . أكثر الناس صلاة ، عموما، هم الرهبان، وهم أقلهم حاجات!
المسالة هي في اقتناء قلب يعاني ومرهف، إنه القلب الذي يحب ، القلب الذي يشعر بالآخر وبحاجاته . من لا يحب لا يعرف أن يصلي ، من لا يحب لا يتوجع ، من لا يحب لا يتوسل، ومن لا يحب لا يحيا و أدنى ضيقة تفصله عن يسوع ، من لا يحب لا يصرخ . وبالعكس من يحب الله والناس ، يصرخ . وعندما تمانعه أي ظروف أي تجربة من الناس ، يزداد صراخا لأن الحب لا يتوقف و إنما على الدوام و دون انقطاع يصرخ :
" يا يسوع ابن داوود ارحمنا " .
وعندما شفاه يسوع تبعه وهو " يشكر الله". وكل الشعب إذ رأوا هذه الأعمال سبحوا الله. الأعمى والناس يتجهون نحو يسوع باشكال مختلفة وبمضمون متنوع لصلاتهم . الأعمى طلب من يسوع شفاء . ثم بعد أن شفاه تبعه و صلى شاكرا وممجدا . و بسبب كل هذه الأعمال التي قام بها يسوع أخذ الشعب " يسبح الله "! .
نجد ههنا الأنواع الثلاثة للصلاة : 1 ـ الطلب
2 ـ الشكر
3 ـ التسبيح .
الصلاة هي لغة حرة يتكون مضمونها من دافعين : الأول مستوى إيمان كل فرد ، والثاني ظروفه الحياتية . ففي الضيق مثلا هناك من يطلب إلى الله ، ومن يجدف عليه. هناك من يشكره بعدما ينال منه ما ينال ، و آخر من ينسى ، كالبرص التسعة . كل ذلك يتعلق بالإيمان الشخصي تجاه موقف الله من ظروفه .
أولى درجات الإيمان التي تدفعنا لنتجه إلى الله بالطلب هي الحاجة . " في ضيقي صرخت إلى الرب فاستجاب لي "، " وعلى الرب توكلت" ، " والرب يرعاني فلا شيء يعوزني " . كل هذه صرخات أو صلوات القلب الذي يتكل على الله . الخطر في هذا أن البعض يمكن أن ينسوا . يبرهن ذلك على إيمان ضعيف .
أما الصلاة بالحق فهي عكس ذلك تماما ، وهي تقودنا إلى " صلاة الشكر". هذه الصلاة ليست وليدة الحاجة، إنها وليدة إنكسار القلب من العرفان بالجميل لله .
هذا الإيمان هو وليد التأمل بالتدبير الإلهي عبر التاريخ البشري ، وتمتد جذوره إلى أعماق المعرفة الروحية وهو ليس وليد حاجة شخصية وحسب. هذه الصلاة لا تتوقف عند غياب الحاجة . هذه الصلاة وصلت إلى الشعور بالعناية الإلهية الدائمة ، أي الثقة المطلقة بالله.
القداس الإلهي هو قداس شكر لله ، تمتاز صلواته بأنها تولد في القلب حياة وشعورا وانكسارا وفرحا و رجاء . هنا تصبح صلاة الشكر صلاة دائمة في شكر عميق على الحياة ذاتها التي أعطيناها . هنا يعبر الإنسان إلى عتبة التمجيد في الصلاة .
" الصلاة هي طعام الملائكة ، لأنهم يصلونها بالتمجيد ، و الصلاة تصير طعام البشر حين يرفعونها مثلهم تمجيدا .
" المجد للآب و الإبن والروح القدس " التي يرددها كل منا هي صلاة تمجيد . و إذا كان الله محبة فنحن صلاة تمجيد .
آميــــــــــــــــــــــــــــــن .